اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٥
منذ العام 2019، أولى معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) اهتماماً خاصّاً ببرامجه في لبنان، مع تركيز على الشفافية، وإصلاح الحوكمة، والمساءلة. المنصّة الجديدة توسّع هذا المسار من خلال دمج التحليلات، والتدخّلات القانونية، والمشاركة المجتمعية في مركز واحد يسهل الوصول إليه.
غَرِق لبنان في أزمات متداخلة على مدى سنوات، كلّ واحدة منها عمّقت الأخرى وأضعفت ثقة المواطنين بالدولة. فالمنظومة السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والنخب المترسّخة عجزت باستمرار عن إقرار الإصلاحات. أما انتفاضة العام 2019 فقد كشفت عمق الإحباط لدى المواطنين، الذين شعروا بأنّهم تُركوا لمصيرهم أمام قادة غير قادرين، أو غير راغبين في مواجهة الفساد وفشل الحوكمة.
أدّى الانهيار المالي الذي تلا ذلك إلى محو مدّخرات الناس، ودفع بمعدّلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وعمّق من حدّة عدم المساواة. وفي الوقت نفسه، جاءت أحداث كارثية مثل انفجار مرفأ بيروت في عام 2020، أحد أضخم الانفجارات غير النووية في التاريخ، لتجسّد العواقب المميتة للإهمال والإفلات من العقاب. وعلى الرغم من الوعود بالمحاسبة، فإن التحقيقات تعطّلت، أو جرى التلاعب بها، أو عرقلتها التدخّلات، ما عزّز شعور الناس بانعدام العدالة.
الإفلات من العقاب ليس جديداً في لبنان. فمنذ الحرب الأهلية مروراً بمرحلة العفو العامّ بعد الحرب، وصولاً إلى الاغتيالات السياسية، والانتهاكات المستمرّة لحقوق الإنسان، نادراً ما حوسب أصحاب السلطة. وكانت النتيجة مجتمعاً يشعر فيه المواطنون بالتهميش عن القرارات التي تؤثّر بشكل مباشر في حياتهم، حيث تبدو العدالة غالباً بعيدة المنال.
منذ تسلّمه منصب رئاسة الحكومة مطلع العام 2025، تعهّد رئيس الوزراء نوّاف سلام بكسر حلقة الفساد المتجذّر في لبنان، عبر تكريس استقلالية القضاء، والشفافية، وسيادة الدولة. وقد اتّخذت حكومته عدداً من الخطوات الملموسة: ففي نيسان/ أبريل 2025 أقرّت قانوناً مصرفياً تاريخياً أنهى عقوداً من السرّية المصرفية، بهدف حماية صغار المودعين وتعزيز الشفافية المالية. كما مضت في إصلاحات إدارية ومالية شملت إطلاق آليّات للتعيينات الشفافة في القطاع العامّ، وتخفيف القيود عن الاستثمار التجاري في الشواطئ. وعلى الصعيد القضائي، اكتسبت العمليّات زخماً مع فتح تحقيقات بحقّ وزيرين سابقين على الأقلّ، أُوقف أحدهما بتهم فساد، في إشارة إلى إرادة جديدة لمحاسبة النخب السياسية.
وبالتوازي، برزت جهود حثيثة لاستعادة سلطة الدولة كاملةً عبر بسط السيطرة على الحدود والمرافئ، ووقف التدفّقات المالية غير المشروعة، التي طالما استفادت منها جهات غير منظّمة مثل 'حزب الله'.
تشير هذه الخطوات مجتمعةً إلى تحوّل ملحوظ في السياسات: من الإفلات المنهجي من العقاب نحو الشفافية والمساءلة. وما إذا كان هذا التحوّل يشكّل بداية تغيير بنيوي عميق، أو يظلّ مجرّد خطوة رمزية، يبقى رهناً بمدى الاستمرارية في التنفيذ، والدعم المؤسّسي، واستمرار الرقابة الشعبية.
وعلى هذه الخلفيّة، أطلق معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) مبادرة 'مسارات العدالة في لبنان'، وهي منصّة تهدف إلى كسر جدار الصمت، وفتح النقاش حول العدالة والمساءلة أمام الفئات الأكثر تأثّراً.
يقول أُبي كرد علي مدير الوحدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP): 'يمتلك لبنان اليوم فرصة فريدة للإصلاح وإعادة البناء. إن اغتنام هذه اللحظة يمكن أن يساعد في توجيه البلاد نحو مستقبل عادل يقوم على سيادة القانون'.
وترتكز المبادرة على قناعة بأن العدالة لا ينبغي أن تبقى حكراً على النخب، بل أن تكون متاحة ومعبّرة عن تنوّع المجتمع اللبناني.
منذ العام 2019، أولى معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) اهتماماً خاصّاً ببرامجه في لبنان، مع تركيز على الشفافية، وإصلاح الحوكمة، والمساءلة. المنصّة الجديدة توسّع هذا المسار من خلال دمج التحليلات، والتدخّلات القانونية، والمشاركة المجتمعية في مركز واحد يسهل الوصول إليه.
ويشير أُبي كرد علي إلى أن 'المنصّة تشرح أبرز التطوّرات المتعلّقة بالعدالة في لبنان، بلغة مبسّطة يسهل فهمها من قبل الجمهور المتخصّص وغير المتخصّص على حد سواء، كما تتيح في الوقت نفسه مساحة للمُتضرّرين مباشرةً، لمشاركة قصصهم وتجاربهم'.
يقسم الموقع إلى ثلاثة أقسام مصمّمة لتخاطب جماهير مختلفة:
ملفّات القضايا: توثّق الإجراءات القضائية الكبرى المتّصلة بالمساءلة، سواء تلك التي تجري في لبنان أو في الخارج. تتضمّن ملخصاً لكلّ قضيّة، ووضعها الراهن، وأهمّيتها الأوسع.
الشروح: تبسّط الإصلاحات القانونية المعقّدة، ومشاريع القوانين، والديناميكيات المؤسّسية، لتقدّم محتوى يسهل استيعابه ويتيح للجمهور فهماً أعمق لقضايا العدالة والمشاركة فيها.
القصص: تمنح الناجين والمُتأثّرين منصّة للتعبير عمّا تعنيه العدالة بالنسبة إليهم شخصياً.
ويؤكد أُبي كرد علي: 'أن العدالة والمساءلة لا تقتصران على عرض القضايا أمام المحاكم فحسب، بل تشملان أيضاً إصلاحات أوسع والتزامات أعمق، يمكن أن ترسم ملامح مستقبل عادل، يسترشد بتطلعات المتضرّرين أنفسهم'.
يبقى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، الذي أودى بحياة أكثر من 220 شخصاً وأصاب الآلاف، من أبرز القضايا التي تجسّد عمق ثقافة الإفلات من العقاب في لبنان. فقد واجه التحقيق المحلّي— الذي قاده بدايةً القاضي فادي صوّان ولاحقاً القاضي طارق بيطار— عرقلات متكرّرة عبر دعاوى قضائية وتعليق الإجراءات وتدخّلات سياسية، فيما يواصل مسؤولون رفيعو المستوى التهرّب من المساءلة. في المقابل، لم تهدأ احتجاجات عائلات الضحايا، كما دانت منظّمات حقوقية دولية العرقلة الممنهجة، ما دفع أهالي الضحايا وهيئات حقوقية إلى ملاحقة القضايا في الخارج، ولا سيّما في فرنسا وألمانيا والولايات المتّحدة.
منذ تسلّم حكومة نوّاف سلام مهامها مطلع العام 2025، ظهرت مؤشّرات على تحريك التحقيق المتجمّد. فقد استأنف القاضي بيطار جلسات الاستجواب، مستدعياً مسؤولين كباراً بينهم اللواء عباس إبراهيم واللواء طوني صليبا، ويعمل على إعداد قرار اتّهامي من 1,200 صفحة، متوقّع صدوره في وقت لاحق هذا العام، بانتظار التقرير الفرنسي النهائي.
ومع ذلك، يستمرّ الإحباط: إذ حذّرت كلّ من منظّمة العفو الدولية و'هيومن رايتس ووتش' من أن 'العدالة المؤجّلة هي عدالة منكرة'، وفي الذكرى الخامسة للانفجار، اجتمع أهالي الضحايا ومناصرون لإحياء الذكرى والتنديد بغياب التقدّم، رغم تعهّدات جديدة من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء سلام بمواصلة مسار المحاسبة.
وفي هذا السياق الأوسع، تسلّط منصّة TIMEP الضوء على القضايا الرمزية مثل انفجار المرفأ والانتهاكات المالية الكبرى. فالكثير من هذه الإجراءات، خصوصاً تلك المتابعة أمام المحاكم الأجنبية، تجري بعيداً عن وعي أو متابعة عامّة. ولهذا عمل المعهد مع محامين على رسم خريطة لهذه القضايا، منتقياً ما يمثّل أبرز مظاهر معركة لبنان مع المساءلة. والغاية ليست تقديم لائحة شاملة بكلّ القضايا، بل إنشاء قاعدة بيانات متنامية تساعد المواطنين على متابعة مجريات الدعاوى، وفهم أهمّيتها، والمشاركة في النقاش العامّ حول العدالة بشكل واعٍ، مع الامتناع عن الكشف عن معلومات غير علنية احتراماً للمسار القضائي وحقوق جميع الأطراف المعنيين.
يمثّل تبسيط التطوّرات القانونية المعقّدة إلى لغة واضحة تحدّياً جادّاً بالنسبة إلى فريق العمل. إذ يعِدّ المسوّدات أوّلاً خبراء قانونيون، ثم تُراجع وتُبسّط من دون المساس بالدقّة، ويشرح أُبي كرد علي: 'بهذه الطريقة نحاول أن نوازن بين العمق والدقّة من جهة، وبين سهولة الفهم والوصول من جهة أخرى. وهذا أمر أساسي لضمان أن تبقى نقاشات العدالة والمساءلة في متناول من ينبغي أن يكونوا جزءاً منها بشكل مباشر، لا حكراً على النخب'.
لطالما عمل معهد التحرير (TIMEP) بشكل وثيق مع الناجين من أزمات لبنان المتعدّدة، بدءاً من عائلات ضحايا انفجار المرفأ، وصولاً إلى المتضرّرين من الجرائم المالية. وقد خُصّصت مساحة في المنصّة لعرض قصصهم بالشكل الذي يفضّلونه، بما يضمن تكريم أصواتهم وإدراجها في سياق النقاش الأوسع حول العدالة.
ويقول أُبي كرد علي: 'في إطار هذا التفاعل، ندعوهم إلى مشاركة قصصهم والتأمّل في معنى العدالة بالنسبة إليهم، والتعبير عن الخطوات التي يقومون بها، أو يدعون إليها سعياً لتحقيق العدالة. ومع موافقتهم، ننشر هذه الروايات لإبراز أولوياتهم وإثراء مسار للعدالة يتمحور حول الناس'.
كان التعاون مع المنظمات المحلّية، والخبراء القانونيين، ووسائل الإعلام محورياً في صياغة هذه المنصّة وإطلاقها. ويؤكّد TIMEP أن 'هذا النهج التشاركي سيستمرّ مستقبلاً، مع خطط لإدماج أصوات إضافية وشركاء في جمع البيانات والمعلومات'.
في النهاية، يشدّد TIMEP على أن 'أي طرف خارجي لا يملك حقّ تقرير شكل العدالة في لبنان'، ويؤكّد أُبي كرد علي أنه 'يجب أن يعرّف اللبنانيون أنفسهم العدالة، بما يتناسب مع حاجاتهم المتنوّعة، ومواقعهم المختلفة'.
وعليه، فإن المنصّة ليست إجابة جاهزة بقدر ما هي دعوة: مساحة لاستعادة الدور، وتبادل المعرفة، والسعي معاً نحو المساءلة.