اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٥
خاص الهديل….
سدرة المنتهى الجاسم
منذ نهاية الحرب الباردة، بدا وكأن النظام الدولي قد استقر على معادلة أحادية القطبية، حيث انفردت الولايات المتحدة بالهيمنة على السياسة والاقتصاد والأمن العالمي. لعقود، جرى تصوير هذا التفوق باعتباره نهاية للتاريخ، كما ذهب فرانسيس فوكوياما، أو على الأقل لحظة استقرار طويلة الأمد.
لكن التحولات المتسارعة خلال العقدين الأخيرين – من الأزمة المالية عام 2008 إلى حرب أوكرانيا 2022 وما تبعها من ارتدادات استراتيجية واقتصادية – أعادت طرح سؤال ظلّ يتردد همسًا في مراكز البحث وصالونات السياسة:
هل نحن على أبواب نظام عالمي جديد؟ أم أن التاريخ يعيد صياغة نفسه بأدوات مختلفة؟
عالم يتشظى… أم يتوازن؟
يصعب الجزم ما إذا كانت هذه المرحلة تمثل نشأة نظام متعدد الأقطاب، أم مجرد انتقال مضطرب من شكل مهيمن إلى آخر لم تتضح معالمه بعد. فالصين باتت تقترب بثبات من قمة الاقتصاد العالمي، مدفوعة بمشروع طموح للهيمنة التقنية والاقتصادية. وروسيا، رغم أزماتها، تستثمر أوراقها الكلاسيكية: القوة العسكرية، الطاقة، وصدمات الجغرافيا السياسية.
في المقابل، يبدو الاتحاد الأوروبي ممزقًا بين ضرورات الاستقلال الاقتصادي، ومتطلبات الولاء للتحالف الغربي. أما القوى المتوسطة – تركيا، الهند، السعودية – فقد استغلت هذا الارتباك في بنية النظام، لتعيد تموضعها كفاعلين مستقلين لا يُختصرون في تبعية أو اصطفاف. هذه القوى تتصرف بمنطق 'الفرصة التاريخية'، لا بمنطق 'التموقع الأبدي'، وهو ما يعكس تغيرًا عميقًا في طريقة فهم الدولة لموقعها في العالم.
الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي وصف هذه اللحظات الانتقالية بـ'الأزمنة الرمادية'، حيث 'يموت القديم، ولا يُولد الجديد بعد، وفي هذه الفجوة تظهر الظواهر الغريبة'. العالم اليوم في لحظة غرامشية بامتياز: اختلال في المعايير القديمة، دون بديل واضح.
الاقتصاد كساحة معركة جديدة
لم تعد الجغرافيا السياسية تُرسم بالخرائط وحدها، ولا تُحدّد بالقواعد العسكرية أو النفوذ الدبلوماسي فحسب. الاقتصاد أصبح ميدان الحرب الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا.
فالعقوبات الغربية على موسكو لم تكن مجرد رد فعل، بل محاولة لإعادة ترسيم التوازنات الدولية عبر سلاح النقد والتجارة. سعي أوروبا لفكّ ارتهانها للطاقة الروسية، ومنافسة واشنطن وبكين في ميدان التكنولوجيا المتقدمة، وصراع السيطرة على المعادن النادرة في إفريقيا… كلها إشارات على أن من يمتلك مفاتيح الاقتصاد قد يمتلك مفاتيح السياسة كذلك.
وهنا تبرز مفارقة فلسفية قديمة:
هل الاقتصاد أداة تخدم السياسة، كما قال كارل ماركس؟ أم أنه يتحول تدريجيًا إلى المجال الحاسم الذي تُصاغ فيه الإرادات السياسية؟
في ظل هذا التشابك، تغدو الهيمنة الاقتصادية ليست فقط وسيلة ضغط، بل فضاءً تُعاد فيه صياغة مفهوم القوة ذاته.
الأزمات كفرصة لإعادة التموضع
اللافت في العقد الأخير أن الأزمات لم تكن مجرد لحظات انكشاف، بل لحظات تمكين لبعض الفاعلين.
فدول الخليج، التي طالما وُضعت في خانة 'المورّد'، أصبحت في صلب المعادلات السياسية الكبرى للطاقة، وأحيانًا للمفاوضات الدولية الحساسة. تركيا أعادت تقديم نفسها كوسيط لا يمكن تجاوزه، مستثمرة موقعها الجغرافي، وأدواتها الأمنية والاقتصادية. حتى دول صغيرة مثل قطر باتت تملك وزنًا حقيقيًا في ملفات معقدة.
هذه الظاهرة تُعيد طرح سؤال جوهري في الفلسفة السياسية:
هل المركز والهامش مفهومان ثابتان؟ أم أن التاريخ يتحرك كرقعة شطرنج، تتغير فيها الأدوار حسب اللحظة؟
ربما آن الأوان للتخلي عن فهم ساكن للهويات الدولية، والانتباه إلى أن لحظات التحول تصنع فاعلين جددًا، من حيث لا يُتوقع.
منطق جديد… أم إعادة تدوير؟
هنا يتعمّق التوتر التحليلي:
هل ما نراه اليوم هو تشكّل نظام عالمي جديد، بلا قطبية واضحة، تحكمه شبكة معقدة من التحالفات المتغيّرة والمصالح المتبادلة؟
أم أننا إزاء إعادة تدوير للنفوذ نفسه، لكن بأقنعة جديدة؟
فالولايات المتحدة لا تزال تتربع على القمة العسكرية والتكنولوجية، وبكين، رغم قوتها، لم تخرج حتى الآن عن قواعد اللعبة الدولية، بينما تحاول موسكو التذكير بأنها لم تغب عن التاريخ.
ربما الحقيقة أن العالم يتحرك ضمن مزيج من الاثنين: استمرار لموازين القوى القديمة، لكن بأدوات ومنصات جديدة. أو كما تقول الفلسفة الهيغلية، 'القديم لا يزول بالكامل، بل يُعاد إنتاجه داخل الجديد'.
نظام في طور التشكل: بين الغموض والفرص
الصورة أقرب إلى لوحة لم تكتمل بعد: ضربات فرشاة متداخلة، ألوان متعارضة، ومساحات تنتظر من يملؤها.
النظام الدولي لا يولد من مؤتمر واحد، ولا من لحظة قطيعة حاسمة، بل من تراكم الأزمات والتحولات والتجارب التي تُعيد صياغة موازين القوة تدريجيًا.
نحن نعيش ما يمكن وصفه بـمرحلة سيولة تاريخية، حيث لم تعد الاصطفافات أيديولوجية بقدر ما هي تكتيكية، ولم تعد التحالفات دائمة بل مؤقتة، يُعاد تشكيلها كلما تغيّرت المصلحة.
وفي هذا السياق، تعود الأسئلة الفلسفية إلى الواجهة: من يحكم؟ ولماذا؟ وبأي شرعية؟ هل يُمكن أن تُفضي هذه السيولة إلى توازن أكثر عدلًا؟ أم أنها ستقود إلى فوضى أعمق؟
الإجابة، كما يعلّمنا التاريخ، لا تأتي دفعة واحدة، ولا تُولد من تحليل نظري فقط، بل تُصاغ على وقع أزمات أخرى… لم تقع بعد.