اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٥
د. هنا عرابي
في ظل واقع هشّ تراجع فيه دور الدولة المركزية وتفككت منظومتها الرسمية، واجه لبنان أزمة مركبة تداخلت فيها الانهيارات الاقتصادية مع الانكشافات الأمنية والاجتماعية. في هذا السياق، تمدد اقتصاد الظلّ ليشكل بديلاً عشوائياً لتلبية الحاجات اليومية، متغلغلاً في معظم القطاعات، من التجارة غير الرسمية إلى الخدمات الاجتماعية. وتشير تقديرات البنك الدولي والإسكوا إلى أن حجم اقتصاد الظل في لبنان يفوق 60% من الاقتصاد الوطني، مقارنة بـ36% قبل عام 2019، ما يعكس التحوّل الخطير في بنية الاقتصاد.
شبكة أمان بديلة في ظل الغياب الرسمي
مع انكفاء الدولة عن تأمين الخدمات الأساسية، لجأ المواطنون إلى بدائل غير رسمية لتأمين معيشتهم، فبات اقتصاد الظل يشكّل مشهداً يومياً. بحسب منظمة العمل الدولية، يعمل أكثر من 55% من اللبنانيين في القطاع غير الرسمي، فيما تجاوزت نسبة البطالة 29% في نهاية 2024.
شهدت المناطق المحرومة كعكار والبقاع وطرابلس انتشار عيادات طبية غير مرخصة وصيدليات شعبية خارج رقابة وزارة الصحة. وفي التعليم، استحدثت جمعيات مموّلة من جهات دينية أو حزبية مدارس بديلة استقطبت التلاميذ غير القادرين على الالتحاق بالمدارس الخاصة أو الرسمية.
في موازاة ذلك، لعبت الأحزاب والطوائف دوراً بارزاً في تأمين الرعاية الصحية والاجتماعية، حيث أشار تقرير صادر عن UNDP عام 2023 إلى أن نحو 70% من الأسر اللبنانية تعتمد على مصادر غير رسمية (أحزاب، جمعيات، مبادرات محلية) لتلبية حاجاتها الغذائية والطبية،
كما توسّع الاقتصاد النقدي خارج النظام المصرفي، مع اعتماد المواطنين بشكل متزايد على التعامل بالدولار الأميركي نقداً، في ظل شح السيولة بالليرة. ووفق صندوق النقد الدولي، يقدّر حجم التداول النقدي خارج المصارف في لبنان بأكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 40% من الناتج المحلي. هذا الواقع رسخ التعامل النقدي في الأسواق الشعبية خارج الرقابة والجباية الضريبية، ما أسهم في تعزيز ظاهرة «اللادولة».
بين الاحتواء والهدم
رغم أن اقتصاد الظل وفّر ملاذاً مؤقتاً وخفّف من حدّة الأزمات الاجتماعية، إلّا أن نتائجه البنيوية كانت سلبية. فقد عمّق التفاوت الاجتماعي، إذ تُوزّع الخدمات بناءً على الانتماءات السياسية والطائفية، لا على أساس الحاجة أو العدالة. وتبيّن دراسة لمرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت أن أكثر من 80% من الخدمات غير الرسمية في المناطق المحرومة تُدار عبر شبكات حزبية أو دينية.
كذلك، أضعف اقتصاد الظل قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات الضريبية. وتشير وزارة المالية إلى أن أكثر من 50% من النشاط الاقتصادي لا يدخل في قاعدة البيانات الضريبية، ما يخلق فجوة في تمويل الخدمات العامة وموازنات الضمان الاجتماعي. وتشمل هذه الأنشطة المهن الحرة كالحلاقين والميكانيكيين وسائقي التاكسي غير المسجلين، الذين يعملون بمعزل عن أي رقابة رسمية.
هذا النظام الموازي عزز مبدأ «الحماية مقابل الولاء»، وأدّى إلى تآكل الثقة بين المواطن والدولة، ليصبح الاقتصاد غير الرسمي من أبرز معوّقات بناء الدولة الحديثة.
نحو تنظيم مستدام
لمعالجة آثار اقتصاد الظل على الأمن الاجتماعي، يقترح المقال مجموعة من السياسات:
• تحفيز الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي من خلال تقديم حوافز ضريبية ومحاسبية للمشاريع الصغيرة وتسجيلها رقمياً، على غرار تجربة منصة «IMPACT».
• توسيع برامج الحماية الاجتماعية الرسمية مثل «شبكة الأمان الاجتماعي» المموّلة من البنك الدولي، لتغطي 400 ألف أسرة بدلاً من 160 ألفاً فقط.
• تعزيز الإدارة المحلية وتمكين البلديات لتقديم خدمات صحية وتعليمية في المناطق الطرفية، واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة من خلال لا مركزية خدماتية فاعلة.
• الرقابة على الجمعيات والمؤسسات الحزبية التي تقدّم خدمات موازية، ووضع معايير شفافة للتمويل والتقييم بالتنسيق مع الجهات المانحة.
• التحوّل نحو الاقتصاد الرقمي عبر تشجيع الدفع الإلكتروني واستخدام المحافظ الرقمية، للحد من التداول النقدي الموازي. مبادرات مثل «Purpl» و«CashUnited» تمثل بدايات واعدة في هذا المسار.
خاتمة
أصبح اقتصاد الظل في لبنان أكثر من مجرد ظاهرة عابرة؛ إنه بنية متكاملة تُعيد تشكيل الأمن الاجتماعي والدور الوظيفي للدولة. ورغم ما يوفّره من حلول مؤقتة، فإنه لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً. المطلوب اليوم سياسات شاملة تعيد الاعتبار لدور الدولة، وتربط المواطن بمؤسساته عبر منطق الحقوق لا الولاءات، لضمان أمن اجتماعي مستدام.