اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٥
كتب ياسين فواز…
قال نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، في 15 أغسطس “لا حياة للبنان” إذا حاولت الدولة نزع سلاح الجماعة. لكن تهديداته لم تكن موجّهة للحكومة فحسب. لقد كان قاسم يرسم خطا دفاعيا حول المعسكر السياسي الشيعي، ويتحدى القوى الخارجية والمنافسين المحليين على حد السواء أن يتجاوزوه.
وكان توقيت التصريح مقصودا، فبعد أشهر من ضغوط واشنطن والمانحين الدوليين، تحولت الحكومة اللبنانية من الوعود الرمزية إلى إجراءات ملموسة. وكلّفت الجيش بإعداد خطة تضع السلاح تحت سلطة الدولة وحدها، وتؤيد أهداف خارطة الطريق المدعومة من الولايات المتحدة.
ردا على ذلك، انسحب حزب الله وحلفاؤه الشيعة من جلسة للحكومة اللبنانية، وأدانوا الخطوة باعتبارها مُملاة من قوى خارجية، وهددوا باحتجاجات واسعة النطاق إذا فُرضت “المواجهة”. ولاح شبح صراع بين دولة تسعى لتثبيت نفسها وميليشيا لا تزال تدّعي أنها حامية الوطن.
ويُدرك قادة لبنان أن مجرد وضْع مخططات على الورق لا يُمكن أن يفكك قوة صاغتها الحرب، وقدّستها المقاومة، وأصبحت راسخة في مؤسسات الدولة. ومع ذلك، فإن البيئة السياسية آخذة في التحول.
ومنذ أكتوبر 2023 دمّرت إسرائيل بنية حزب الله التحتية، واغتالت شخصيات بارزة، وأبرزها أمينه العام المخضرم، حسن نصرالله، في سبتمبر 2024. واستوعب حزب الله الصدمة، وعيّن قادة جددا، وكيّف إستراتيجياته. ومع ذلك، ازداد الاستنزاف والأضرار المادية وضغوط إعادة الإعمار.
وتآكل التسامح خارج معاقل الجماعة في الجنوب والبقاع. وامتد هذا الاتجاه حتى داخلها، حيث يُصارع إرهاق الحرب الآن الكبرياء الطائفي. ومع ذلك، يبقى موقف قاسم ثابتا: لن يتحقق سيناريو نزع السلاح حتى تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتُخلى الأراضي المتنازع عليها.
وتتجاوز أحدث مبادرة حكومية التنازلات اللبنانية المعتادة. وقد كلّف مجلس الوزراء الجيش بوضع خطة عملية تتضمن جداول زمنية وتسلسلا وآليات لإعادة تأكيد احتكار الدولة للقوة بحلول نهاية الصيف، مع التزام الوزراء صراحة بمبدأ أن جميع الأسلحة يجب أن تبقى في أيديها وحدها.
وقدّم كبار المسؤولين، لتأكيد عزمهم، هذه الخطوة على أنها أساسية لإيصال المساعدات وإنعاش البلاد بعد أزمة وصراع طويلين. وليست مجرد مغامرة تكنوقراطية، بل هي محاولة لإعادة رسم الحدود بين دولة ذات سيادة وحزب يُصرّ على أن يكون حركة وجيشا في نفس الوقت.
وكان ردّ حزب الله مألوفا، حيث رفض القرار باعتباره “أوامر أميركية”. كما حذّر من توريط الجيش في النزاعات الداخلية، واستحضر ذكرى عام 2008، حين سيطر مسلحون لفترة قصيرة على أجزاء من بيروت الغربية.
ويرى الحزب أن الحكومة ارتكبت “خطيئة جسيمة” ويتعهد بالتعامل مع القرار “كما لو أنه غير موجود”، ما لم يُجبر على التحرك. وندد رئيس الوزراء نواف سلام بهذا القرار ووصفه بأنه تهديد “غير مقبول” بحرب أهلية. وفي غضون ذلك أبلغ الرئيس جوزيف عون، المنتخب في وقت سابق من هذا العام، مبعوثين إيرانيين أن لبنان يرفض التدخل الخارجي، حتى إثر تعهد طهران باحترام الخيارات المتخذة “بالتشاور مع المقاومة”. إن المناورات معقدة، والمخاطر واضحة.
ومع ذلك، فإن تصوير هذا المشهد على أنه صدام مباشر بين دولة “وطنية” وميليشيا “طائفية” يغفل جوهر السياسة اللبنانية. وتكمن ساحة المعركة الحقيقية في واقع الأمر داخل الطائفة الشيعية نفسها.
واعتمدت السياسة الشيعية على ركيزتين خلال أربعة عقود: حزب الله (الحزب العسكري الديني المهيمن)، وحركة أمل (الحركة السياسية ذات الطابع التقليدي تحت قيادة نبيه بري، رئيس مجلس النواب المخضرم والوسيط البارع في الصفقات اللبنانية). وكان الطرفان متنافسين في السابق، ثم ارتبطا معا تحت إشراف سوري في التسعينات. ومنذ ذلك التحوّل حمل حزب الله سلاح المقاومة وخطاباتها، بينما سيطرت حركة أمل على مؤسسات الدولة ووزاراتها ومحسوبيتها، محولة القوة الطائفية إلى نفوذ مؤسسي.
وصُمّم خطاب قاسم لتجسيد الوحدة: اتحدت حركة أمل وحزب الله كجبهة واحدة. وتُشكّل هذه الوحدة الحاجز الحقيقي بالنسبة إلى الحكومة والغرب.
نظريا، يمكن لرئيس وزراء سنّي ورئيس ماروني ادعاء السيادة الوطنية لمعارضة أي فصيل مسلح خارج سلطة الدولة. لكن مثل هذه الخطوات تُخاطر عمليا بتعزيز القوة التي يُعارضانها. ويزدهر حزب الله بسرديته عن الدفاع عن طائفة مُهمّشة تاريخيًا ومُهددة من إسرائيل وخصومها المحليين.
وتنسجم تصريحات الحكومة ذات القيادة السنية أو تحذيرات القادة المسيحيين تمامًا مع هذه القصة. وكلما ازدادت طائفية صورة نزع السلاح ازداد دعم قاعدة حزب الله لسلاحه. وغالبًا ما تفشل الدعوات الغربية لهذا السبب في صياغة حل “وطني” عبر الإطار الطائفي اللبناني: فالشرعية هنا تتدفق عبر الطوائف، وليس بالتساوي عبر النظام السياسي.
ويُبرز هنا الدور المحوري الذي يشغله بري. وستكون العواقب وخيمة إذا ابتعدت حركة أمل تدريجيا عن حزب الله، لا من خلال قطيعة دراماتيكية تُنذر بصراع داخلي، بل من خلال إعادة تموضع ثابتة وواضحة.
أولاً، ستتلاشى صورة الدعم الشيعي الموحد. وسيشعر العديد من الناخبين والناشطين والاتحادات والنقابات والمجالس الشيعية بالقدرة على التعبير علانية عما يهمس به البعض بالفعل: إن ثمن “المواجهة المُدارة” التي لا نهاية لها مع إسرائيل، واقتصاد الحرب الذي تدعمه، أصبح باهظا.
ثانيا، سيواجه دور حزب الله داخل الدولة (في المشتريات والجمارك والحدود والطاقة) تدقيقا من داخل طائفته، وليس فقط من منافسيه.
ثالثا، سيكتسب الجيش، الذي تعكس تركيبته التنوع الطائفي في لبنان، غطاءً سياسيا لإعادة فرض سيطرته في المناطق التي سيطر عليها حزب الله منذ زمن طويل.
ما الذي قد يدفع بري إلى التحرّك؟ غريزته هي البقاء، وليس الحرب. لقد اعتمدت فترة ولايته الطويلة كرئيس للبرلمان منذ 1992 على الموازنة بين الرعاة الإقليميين، والمنافسين المحليين، ومزاج قاعدته. لكن ثلاثة عوامل قد تُغير موقفه. العامل الأول هو الكلفة: إذا استمر نهج حزب الله في جلب التصعيد مع إسرائيل، والمزيد من الاغتيالات، والمزيد من التفجيرات، والمزيد من الدمار في الجنوب دون نتائج، فإن قاعدة أمل قد تلوم شريكها بدلا من خصومها.
ثانيا، الحافز: سيطلب بري ضمانات من الجهات الفاعلة المحلية والأجنبية بأن هيمنة حركة أمل على الساحة الشيعية ستبقى قائمة بعد الانقسام. ثالثا، الغطاء: تأطير يُصوّر هذا التحول على أنه حماية للطائفة، لا خيانتها.
تغيب هذه العوامل اليوم. وتواصل إيران تقديم الدعم المالي والسياسي لحزب الله، محتفظة بنفوذ كبير على كلا الطرفين. وتبقى الدولة اللبنانية أضعف من أن تفرض إرادتها دون إثارة مواجهة لا يمكنها الفوز بها. وتُصرّ الولايات المتحدة وحلفاؤها على التعامل مع القضية كمشروع عابر للطوائف، معتمدة على رئيس الوزراء السني، بينما تضغط على الرئيس الماروني، وتسعى إلى بلوغ “توافق وطني”. لكن مصير حزب الله سيُحسم في الضاحية وصور والنبطية، وليس في القصر الرئاسي.
وإذا بقي حزب الله وأمل متحدين، فمن شبه المؤكد أن جهود الحكومة لنزع السلاح ستفشل. وحتى الخطوات المحدودة، مثل استهداف الفصائل الفلسطينية أو الميليشيات الأصغر حجما، من شأنها أن تُقدَّم كدليل على أهمية دور حزب الله: “المقاومة”. الخطر، كما كان دائمًا، هو أن يقع لبنان مجددًا في الشلل ويصبح ضعيفا جدًا وعاجزا عن إنفاذ القرارات، ومنقسما إلى درجة استحالة تحقيق التوافق، ومقيدا بشدة من قبل الجهات المسلحة بما يمنعه من استعادة سيادته الكاملة.
وغالبًا ما تتعامل القوى الغربية مع طوائف لبنان بصفتها أطرافا قابلة للاستبدال في دراما وطنية. لكنها في الواقع جماهير متمايزة تشاهد المسرحية نفسها. ولا يقتصر سيناريو نزع سلاح حزب الله على إقناع النخب السنة أو المسيحيين في بيروت، بل يعتمد على إقناع المؤسسة الشيعية بأن عبء المقاومة قد تجاوز كبرياءها. حتى ذلك الوقت، ستُقابل إجراءات مجلس الوزراء أو الضغوط الخارجية بتحدٍّ، وسيبقى السلاح في الأيدي نفسها التي حملته على امتداد أربعين عامًا