اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٩ أيار ٢٠٢٥
كتب حسن حردان في 'البناء'
تزامناً مع ذكرى النكبة الفلسطينية التي تحلّ في الخامس عشر من شهر أيار كلّ عام، تتصاعد المخاوف من أن تشهد غزة تكراراً لتلك المأساة التي وقعت عام 1948، وأدّت إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم وديارهم.
لكن الأسئلة التي تطرح في هذا المضمار هي:
ما مدى إمكانية تكرار نكبة جديدة، بناء على الظروف والعوامل التي أدّت إلى النكبة الأولى ومقارنة بالواقع القائم حاليا في قطاع غزة.
أولاً، على صعيد العوامل التي أدّت إلى حصول نكبة عام 1948:
في هذا الإطار يمكن القول إنّ عدة عوامل تاريخية وسياسية وعسكرية تضافرت وأدّت إلى إحداث نكبة عام 1948، من أهمّها:
1 ـ المشروع الصهيوني وأهدافه: سعت الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى إقامة ما سُمّي «وطن قومي لليهود في فلسطين»، وتضمّن ذلك خططاً لزيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
2 ـ الدعم البريطاني: قدّم الانتداب البريطاني على فلسطين تسهيلات كبيرة للحركة الصهيونية، ومنظماتها الإرهابية المسلحة لا سيما الهاغاناه، اراغون، وشيترن، بما في ذلك وعد بلفور عام 1917 الذي دعم إقامة «وطن قومي للصهاينة في فلسطين»، مما مهّد الطريق لزيادة الهجرة وشراء الأراضي…
3 ـ التفوق العسكري للعصابات الصهيونية التي حظيت بدعم مباشر تدريباً وتسليحاً من جيش الاحتلال البريطاني، بما يفوق كثيراً القوات الفلسطينية غير النظامية ومعظم الجيوش العربية التي تدخلت لاحقاً…
4 ـ العمليات العسكرية المنهجية: شنّت العصابات الصهيونية عمليات عسكرية واسعة النطاق قبل وبعد إعلان قيام الدولة الصعيونية، استهدفت المدن والقرى الفلسطينية بهدف إخلاء سكانها. تضمّنت هذه العمليات مجازر وترهيب وتدمير للمنازل والممتلكات في نحو 500 مدينة وبلدة وقرية فلسطينية، بهدف دفع أبناءها للهجرة هربا من الإرهاب الصهيوني…
5 ـ الضعف العسكري والسياسي العربي والفلسطيني:
على الرغم من الرفض العربي لقرار التقسيم، إلا أنّ الاستعداد العسكري والسياسي لمواجهة المشروع الصهيوني كان ضعيفاً وغير منسق بشكل كافٍ.. فيما كانت أغلب الحكومات العربية خاضعة وتابعة لقوى الاستعمار البريطاني والفرنسي اللذين دعما العصابات الصهيونية في احتلال فلسطين، ومارسا الضغط على الحكومات العربية لتسهيل هجرة الفلسطينيين.. والعمل على سحب قواتها من فلسطين…
ثانياً، هل يمكن أن تتكرّر النكبة من خلال حرب الإبادة في قطاع غزة؟
هناك أوجه شبه مقلقة بين ما حدث في عام 1948 وما يجري في غزة حالياً، مما يثير مخاوف جدية بشأن إمكانية تكرار النكبة، وإنْ اختلفت الظروف والتكتيكات:
1 ـ التهجير القسري والتشريد: يتبع كيان العدو الصهيوني نفس الأساليب التي اتبعها عشية نكبة 48، حيث يقوم بشت حرب إبادة لإجبار الفلسطينيين على الهجرة مغادرة قطاع غزة هرباً من الجحيم الصهيوني، مما أدّى إلى حصول عملية نزوح جماعي غير مسبوقة داخل القطاع، حيث تمّ تهجير الغالبية العظمى من السكان المجازر الصهيونية التي تتواصل دون توقف من خلال القصف العشوائي للأحياء السكنية.. وهو ما يوازي إلى حدّ كبير النزوح الذي حدث في عام 1948، وإنْ كان داخل حدود قطاع صغير ومحاصر حالياً.
2 ـ التدمير الشامل للبنية التحتية: تتعمّد قوات الاحتلال تدمير المنازل والأحياء والمرافق الحيوية على نطاق واسع جداً، مما يجعل القطاع غير صالح للسكن ويعيق بشكل كبير عودة النازحين. هذا التدمير المنهجي يشبه إلى حدّ كبير تدمير القرى والمدن الفلسطينية في عام 1948 لمنع عودة سكانها إليها.
3 ـ التصريحات النازية والعنصرية والمشاريع الصهيونية: صدرت عن بعض المسؤولين في كيان الاحتلال تصريحات وتحليلات تشير إلى إمكانية أو رغبة في تقليل عدد السكان الفلسطينيين في غزة أو تشجيع ما أسموه «الهجرة الطوعية»، وهو ما يذكّر بالخطاب الصهيوني الذي سبق النكبة الأولى والذي أشار إلى فكرة «الترانسفير» (الترحيل).
4 ـ الحصار وسياسة العقاب الجماعي: يفرض كيان الاحتلال حصاراً خانقاً على قطاع غزة منذ سنوات، وقد تفاقم بشكل غير مسبوق خلال الحرب الحالية، مما يمنع دخول الغذاء والماء والدواء والوقود والمساعدات الأساسية. هذا أدّى إلى خلق ظروف معيشية لا تطاق، أشبه بسياسة «التجويع» التي يمكن أن تدفع الناس إلى النزوح بحثاً عن البقاء، وهو ما يندرج في إطار سياسة الضغط لإجبار الفلسطينيين على الهجرة الجماعية من القطاع.
5 ـ غياب الأفق السياسي ومنع حق العودة: لا يزال كيان الاحتلال يرفض بشكل قاطع حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا في عام 1948، كما أنه يقاوم أيّ حلّ سياسي يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. هذا الانسداد السياسي يعني أنّ التهجير الحالي، إذا أصبح دائماً، سيكون جزءاً من واقع مستمر من سلب الحقوق.
ثالثاً، العوامل التي تعيق تكرار النكبة:
على الرغم من أوجه الشبه المقلقة، هناك فوارق وعوامل قد تمنع تكرار النكبة عام 1948 بحذافيرها، أبرزها:
1 ـ الوعي الدولي والتغطية الإعلامية: على عكس عام 1948 حيث كانت الأحداث تجري بعيداً عن أعين العالم إلى حدّ كبير، فإنّ حرب الإبادة الحالية في غزة تحظى بتغطية إعلامية واسعة ويتمّ رصدها من قبل منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية، مما يزيد من صعوبة تنفيذ خطط التهجير القسري بشكل كامل بمعزل عن ردود الفعل الدولية.
2 ـ التحذيرات الدولية: صدرت تحذيرات واضحة من قبل الأمم المتحدة والعديد من الدول والمنظمات الدولية من خطورة التهجير القسري وكونه يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
3 ـ الصمود الفلسطيني: يظهر الشعب الفلسطيني في غزة صموداً استثنائياً وتمسّكاً بأرضه، رغم المجازر والدمار والمعاناة الإنسانية القاسية التي يفاقمها الحصار التجويعي.. إنّ إصرار الفلسطينيين القوي على البقاء على قيد الحياة في وطنهم رغم حرب الإبادة التي يتعرّضون لها، تمثل تحدياً كبيراً لأيّ محاولة لتهجيرهم بشكل دائم.. خصوصاً أنهم أخذوا العبرة والدرس من التهجير الأول عام 48.
4 ـ المقاومة المسلحة الشديدة لقوات الاحتلال والتي تظهر إرادة وقدرة على خوض حرب العصابات والمدن واستنزاف جنود الاحتلال وتكبيدهم الخسائر الفادحة، هذه الإرادة والقدرة على القتال في ظلّ موازين قوى مختلة مئة بالمئة لصالح جيش الاحتلال، فاجأت القادة الصهاينة، والعالم أجمع وأذهلتهم، مما حال دون تحقيق الأهداف الإسرائيلية وأدخل حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو في مأزق يتفاقم باستمرار بسبب تزايد الإنقسام الداخلي الإسرائيلي حول الاستمرار في الحرب، وتصاعد ضغط الرأي العام العالمي المندّد بحرب الإبادة الصهيونية، وانكشاف زيف الرواية الصهيونية في العالم، وتبدّل مواقف العديد من الحكومات الغربية التي باتت تدعو إلى وقف الحرب وتطالب باخذ إجراءات عقابية ضدّ «إسرائيل».
5 ـ موقف الدول المجاورة: ترفض دول الجوار، وخاصة مصر، بشكل قاطع أيّ مخططات لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى أراضيها، مما يغلق أحد المسارات المحتملة للتهجير الجماعي خارج القطاع.
بناء على ما تقدّم يمكن القول إنّ العوامل التي أدّت إلى نكبة عام 1948، وخاصة لناحية المخطط «الإسرائيلي» لإحداث تغيير ديموغرافي والتفوق العسكري واستخدام القوة المنهجية، يبدو أنها تتجلى بصور مختلفة في حرب الإبادة الجارية في غزة، مع عمليات تهجير قسري وتدمير واسع النطاق وتصريحات تثير القلق بشأن مستقبل الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، فإن مستوى الوعي الدولي، والتحذيرات القانونية، والصمود والمقاومة الأسطورية للشعب الفلسطينى، ورفض الدول المجاورة لاستقبال النازحين، تشكل عوامل قد تمنع تكرار النكبة بنفس السيناريو تماماً، أيّ التهجير الجماعي خارج حدود فلسطين.
يبقى السؤال ماثلاً حول ما إذا كانت الحرب ستنجح في تحقيق هدف ضمني يتمثل في جعل غزة غير قابلة للحياة بشكل دائم، مما يدفع جزءاً كبيراً من سكانها للبحث عن مستقبل في مكان آخر، وهو ما قد يعتبر شكلاً محدثاً ومغايراً من أشكال النكبة المستمرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ عام 1948. إنّ منع حدوث ذلك يتطلب وحدة وطنية فلسطينية، وتحركاً عربياً فاعلاً يتجاوز حدود الاستنكار، وتحركاً دولياً جاداً لوقف الحرب، ورفع الحصار، والضغط من أجل حلّ سياسي عادل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض فلسطين.