اخبار لبنان
موقع كل يوم -نداء الوطن
نشر بتاريخ: ٢٧ أيار ٢٠٢٥
منذ آلاف السنين، نشأت واحدة من أقدم الصداقات في التاريخ بين الإنسان والكلب. لا يُعرف على وجه الدقة من قام بالخطوة الأولى: هل اقترب الكلب من الإنسان بدافع غريزي، أم أن الإنسان هو من فتح ذراعيه لهذا الرفيق الوفي؟ ما نعرفه هو أن العلاقة كانت متبادلة، وتحولت إلى شراكة متينة صمدت أمام الزمن، وتغلغلت في تفاصيل الحياة الإنسانية.
صداقة عمرها آلاف السنين
تعود بداية هذه الصداقة إلى ما بين 14,000 و15,000 سنة، حين بدأ الذئب، السلف البري للكلب، بالتحول تدريجياً إلى كائن أليف. وبمرور الوقت، لم يعد مجرد حيوان يعيش قرب التجمعات البشرية، بل صار عضواً في العائلة. فقد كان يصطاد، يحرس، ويرافق، حتى بدأ البشر يدفنونه كما يدفنون موتاهم، أحياناً إلى جانبهم، كدليل على عمق الروابط بينهم.
في مصر القديمة، كانت مومياوات الكلاب حاضرة في مقابر الملوك، وفي اليونان، سكن الكلب المعابد كرمز للشفاء. أما في شمال غرب السعودية، فقد اكتُشفت أقدم الفنون الصخرية التي تُظهر الإنسان يصطاد بمساعدة كلبه، دليلاً ساطعاً على دور الكلب في حياة الإنسان المبكرة. وتحوّلت الصور، والألعاب، والتماثيل، وحتى أطواق الكلاب إلى فن خالد يخلّد هذه العلاقة.
لكن العلاقة لم تبق محصورة بالماضي. في العصور الوسطى، رافقت الكلاب النبلاء الأوروبيين في الصيد، وأصبحت الكلاب الصغيرة موضة بين النساء. أما في العصر الفيكتوري، فبدأت تربية الكلاب تنتشر بين العائلات من مختلف الطبقات، كوسيلة لتعليم الأطفال المسؤولية، وبُني على ذلك أول نظام لتربية الكلاب وعروضها التنافسية في بريطانيا. ومنها انتقلت إلى كل أوروبا، حيث رافقت الكلاب أصحابها في الحياة حتى الممات، فشيّدت لها المدافن الخاصة بها إلى جانب مدافن البشر كما هو الحال في روما مثلاً.
ومع تطور الزمن، تنوّعت أدوار الكلاب: من رفيق في الصيد إلى مساعد لذوي الاحتياجات الخاصة، وكلب شرطة، وكلب دعم عاطفي. تطوّرت الكلاب معنا، وتغيّر تركيبها الجيني لتتكيف مع غذائنا ونمط حياتنا، لكنّها احتفظت بصفاتها الأساسية: الوفاء، الحماية، والحب غير المشروط.
حين يصبح الوفاء جريمة
ومع كل هذا التاريخ المشرّف، يُصدم المرء حين ينظر إلى الواقع اللبناني الراهن، حيث يُقتل الكلب الشارد بدم بارد، إذ يصبح هدفاً سهلاً للبلديات والمواطنين، تحت ذريعة الحماية أو النظافة أو 'الخوف على الأطفال'.
هذه الذريعة، وإن بدت منطقية للبعض، تخفي خلفها قسوة، ولا تستند إلى أي حل مستدام. فقتل الكلاب لا يوقف تكاثرها، بل يخلق فراغاً تُملؤه كلاب جديدة، في دورة عبثية من العنف والإنكار. في المقابل، تظهر مبادرات فردية وجماعية تحاول إنقاذ هذه الأرواح عبر التبني، التعقيم والرعاية، لكنّها تبقى محدودة في ظل غياب سياسة عامة، ودعم رسمي.
ما يُثير الأسى هو أن مجتمعات كانت أقل تطوراً علمياً وتكنولوجياً من لبنان اليوم، كانت تُجلّ الكلب وتمنحه مكانة مقدسة أو إنسانية. أما نحن، في مفارقة مؤلمة، نتراجع عن هذا الإرث الأخلاقي، ونرتكب فعلاً يُشبه العودة إلى عصور الظلام، ولكن من دون حتى مبررات البقاء التي كانت تسوقها المجتمعات القديمة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الموت. يحتاج إلى الوعي، إلى التشريع، وإلى رؤية حضارية للتعامل مع الحيوان ككائن حي له حقه في الحياة. حماية الكلب الشارد ليست رفاهية، بل هي مرآة تعكس مدى إنسانيتنا، وتحكي عن علاقتنا بكل ما هو ضعيف.
ربما آن الأوان لنسأل أنفسنا: هل ما زلنا نستحق أن نُلقّب بالكائن العاقل، إذا كنا نقتل من عاش معنا آلاف السنين، فقط لأنه لم يجد بيتاً يحميه؟