اخبار لبنان
موقع كل يوم -جنوبية
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٥
سالت نفسي مرات عديدة لاي تصنيف او منظومة نفسية وعاطفية ينتمي الشعور الطائفي، او الطائفية بكل اشكالها سياسية كانت او اجتماعية او مع قليل من المبالغة ثقافية ايضا.
ويظهر ان الجواب عصي، شائك ومركب، فابسط انواع الطائفية نتلمسها بنمط من التدين والطقوس والعبادات والفرائض لجماعة دينية تميزها عن نمط تدين آخر لجماعة أخرى، لكن الطائفية لا تظهر عند مقارنة طقوس تدين الفرد وعباداته، بفرد آخر، بل تتجلى وتتبدى عند تقابل واختلاف سلوك الجماعات حصرا وليس الافراد.
والتدين قد يكون التزاما هادئا وعميقا، كما قد يتخذ صفة سلوك ومظاهر علنية واستعراضية في أحيان كثيرة، في الحالتين، وبماهو طقوس وفرائض وعبادات، يختلف عن الايمان، فالايمان بمعتقد ديني هو شعور وقناعة وصلة داخلية تعالج الجوانب الروحانية للنفس البشرية، واما التدين فهو سلوك خارجي ومهمات عبادية معلنة ونشاطات دورية يقوم بها المتدين، رغبة منه بمرضاة معبوده.
والايمان والتدين اذا تأطَّرا فرديا فقط، ولم يتحولا الى دافع من اجل الانخراط في الجماعة والتماهي مع صورتها، يبقيان خارج النزعة الطائفية بكل اشكالها السياسية والاجتماعية، ولا يتحولان الى انتماء يؤطر مصالح ومنافع وفوائد وواجبات،
فالفردانية في الايمان والتدين الشخصي وحتى العبادات والطقوس، كلّ منها، لا يتمظهر او يصتنع طائفية باي شكل من الاشكال، لا اجتماعية ولا سياسية.
الطائفية في جوهرها تعبير عن ملة سياسية هدفها السيطرة على سلطة واقتسامها والتنازع من اجلها، انها شكل من اشكال التحزب وليست نزعة او شكلا لممارسة الايمان والتدين.
المؤسسة الدينية
الطائفية ملعبها الاجتماع والسياسة، ورغم انها تتصل بخيط رفيع بالمعتقد الديني، لكنها لا تنبثق جوهريا من الايمان الفردي والتدين الشخصي، بل هي ظاهرة تحتاج الى وعاء واطار مؤسساتي يتم من خلاله التعبير عنها، فالمؤسسة الدينية بداية، التي تنتظم الجماعة من خلالها، هي من تُكَوِّن الوعاء، لكن الجماعة لا تتحول الى ملة سياسية الا في اطار المشاركة او التساكن مع سلطة سياسية قائمة، تنازعها او تقاسمها التمثيل في السلطة وتستوفي حصص الجماعة فيها من توزيع الثروة والخدمات.
من الايمان المعتقدي الى التدين السلوكي، الى التماهي مع صورة الجماعة، والانتظام في شبكة منافعها والدفاع عن مطالبها، يتدرج ويتقدم، لكن لا يكتمل انتساب الفرد الكامل للطائفة الا من خلال التنازع على السلطة او التنعم بخيرات مواردها.
بناء لما تقدم يتبدى سؤال جوهري: هل يمكن تشكيل طائفة في لبنان عبر جمع رعايا دين معين، لا حصة مرعية لهم بالسلطة؟
وتوضيحا للسؤال، ثمة في لبنان اديان او مذاهب لا حصة لها في السلطة، لا تمثيلا في المجلس النيابي ولا تخصيصا لمواقع لها في وظائف الدولة وتعييناتها، ومثال ذلك اتباع الكنيسة الانجيلية او القبطية او السريانية!
الجواب بسيط، فعلى الرغم من ممارسة المصلين هؤلاء لكافة الطقوس الدينية، لا وجود لتشكل ملل سياسية لاتباع هذه الطوائف، الطائفة العلوية كانت كذلك قبل اتفاق الطائف.
لذلك قد نجد اشد المدافعين عن طوائفهم والنافخين في ابواق التعصب والكراهية الطائفية، النماذج هذه، قليلة الايمان وواهنة المعتقد وغير عابئة بقواعد التقوى وفضائل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، او الانصياع الى الوصايا الالهية والعظات الكنسية، واذا ما اظهر هؤلاء اية طقوس او عبادات او ورع استعراضي، فلن يكون الا نفاقا تتطلبه الصورة المطلوبة لدى العامة وعدة الشغل المناسبة امام البسطاء.
شدّ العصب ونشر الكراهية
الطائفيون هؤلاء يحولون الايمان الى مظاهر من التدين الاحتفالي، ويجعلون من الطقوس والفرائض والعبادات، حشدا للتلاعب في موازين القوى والصراع على السلطة، ومن الطائفية واثارة الغرائز والاحقاد وسيلة لشد العصب ونشر خطاب الكراهية.
النزعات الطائفية المفرطة قد تصل الى شكلً من أشكال الكراهية، لأنها تقوم على التمييز والعداء تجاه فئة معينة بناءً على انتمائها الديني أو المذهبي، وليس على أفعال أو مواقف فردية، النزعة الطائفية تعزز الاستقطاب، وتغذي العداء بين الجماعات، وتؤدي إلى الإقصاء والعنف الذي خبره لبنان مرارا. كما أنها تشترك مع أشكال الكراهية الأخرى، مثل العنصرية وكراهية الأجانب، في بناء صورة نمطية سلبية عن 'الآخر' و تتبنى تقسيما للمجتمع بناءً على الهويات الضيقة بدلًا من المبادئ المشتركة.
والكراهية هي احدى اهم الادوات السياسية في عالم اليوم، واكثرها فاعلية في كسب الانصار والمؤيدين، وفي كسب تأييد اصوات كتل شعبية هائلة في الانتخابات والاستحقاقات الديموقراطية.
الطائفية والفساد
والفساد غالبا ما يكون موصول بالطائفية بعلاقة تبادلية، حيث يغذي كل منهما الآخر بطرق مختلفة. واستغلال الطائفية لحماية الفساد هو امر شائع ومتبع حيث يستخدم بعض الفاسدين الطائفية كأداة لحماية أنفسهم من المحاسبة، ويتم تصوير أي تحقيق في فساد ما، على أنه استهداف لطائفة معينة، مما يعرقل أي محاولات للإصلاح. وحين يتم توزيع المناصب والموارد على أساس الولاء الطائفي بدلًا من الكفاءة، تترسخ ممارسة الفساد والمحسوبية.
الطائفيون هؤلاء يحولون الايمان الى مظاهر من التدين الاحتفالي، ويجعلون من الطقوس والفرائض والعبادات، حشدا للتلاعب في موازين القوى والصراع على السلطة
و من جهة أخرى يعزز الفساد الطائفية، و حين يصبح الانتماء الطائفي وسيلة للوصول إلى الحقوق والخدمات بدلًا من المواطنة والكفاءة. ويؤدي توزيع الوظائف والمنافع على أساس طائفي إلى خلق إحساس بالتمييز والغبن بين الفئات المختلفة، مما يعزز التوترات الطائفية.
والفساد يُضعف مؤسسات الدولة ويجعلها غير قادرة على فرض سيادة القانون، مما يفسح المجال أمام الطوائف لتشكيل شبكات موازية تقدم الخدمات والحماية لمجموعاتها، وبالتالي تزداد الطائفية. وعندما تفشل الدولة في تلبية احتياجات المواطنين بسبب الفساد، يلجأ الأفراد إلى زعماء الطوائف للحصول على الحقوق والخدمات، مما يرسّخ الانتماءات الطائفية بدلًا من الانتماء الوطني.
يستخدم الساسة الفاسدون الخطاب الطائفي لتشتيت الانتباه عن قضايا الفساد، فيُلهى المجتمع بالصراعات الطائفية بدلًا من المطالبة بالإصلاح والمحاسبة. وتُستخدم الطائفية كأداة تعبئة في الانتخابات، حيث يُصوَّر المنافسون على أنهم تهديد للطائفة، مما يعزز إعادة إنتاج الطبقة السياسية الفاسدة.
الاحزاب الطائفية في لبنان هي أيضا منصات اجتماعية وسياسية لاستدراج التدخل من دول وقوى اقليمية ودولية مختلفة، تدخلات تنتهك السيادة الوطنية وتتلاعب بتوازنات الوطن السياسية وتتدخل في صياغة الاجتماع السياسي اللبناني.
العلاقة التبادلية بين الارتهان الوقح للخارج و الطائفية المفرطة باعلى درجاتها والفساد الشره بافظع اطماعه، يحول السلطة الى اداة مافوية تمارس الجريمة المنظمة، وهذا ما وصلت اليه المنظومة الحاكمة في لبنان، فانفجرت أزمتها منذ اكثر من خمس سنوات، ولم تزل تداعياتها تتفاعل وتتعاظم.
تحدي عون وسلام
يواجه ثنائي جوزف عون نواف سلام، الواقع الذي أوصلت لبنان اليه، منظومة الفساد والفشل والجريمة والارتهان الى الخارج، وقد يشكلان، لانهما لا ينتميان لهذه المنظومة ولا يخضعان لأطماعها، بداية لمسيرة انقاذ صعبة وشائكة وطويلة، لكن النجاح ليس سهلا وليس اكيدا، فهما مضطران للتعايش مع المنظومة في آن والصراع معها في آن آخر، ثم استغلال تناقضاتها وتضارب اطماعها لاضعافها وتفكيك سطوتها، وانتاج حلول وبناء ادارات ومرافق انتاجية بالتوافق مع اطرافها.
إن اول ضمانة للقدرة على التقدم في هذا المسار هو اعتماد تفاهم عميق، وتنسيق دائم بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وامتناع كليهما عن عقد اية تفاهمات مع اي طرف من اطراف المنظومة، من وراء ظهر الاخر. وتجربة التعيينات حتى الآن بغالبية مواقعها لم تكن ناجحة وواعدة.
عون وسلام مضطران للتعايش مع المنظومة في آن والصراع معها في آن آخر، ثم استغلال تناقضاتها وتضارب اطماعها لاضعافها وتفكيك سطوتها
اما الضمانة الاخرى فهي الاتفاق على ارساء مبدأ المحاسبة والمساءلة في كل الجرائم والارتكابات التي ادت الى الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي والمصرفي، واجراء تدقيق جنائي شامل، واعادة بناء الادارة على قاعدة الكفاءة والخبرة والاستقلالية عن احزاب المنظومة، والانكباب لتنشيط اجهزة الرقابة المختلفة، واقامة السلطة القضائية المستقلة.