اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
مشاهدات وانطباعات بين السرد والشعر تستعيد ذاكرة المكان وتنتصر على النسيان
منع نظام الأسد دخول بشير البكر إلى وطنه لأعوام طويلة، بسبب مواقفه المعارضة وآرائه المناوئة لسلطة 'البعث'، لكن الكاتب السوري وفي فبراير (شباط) 2025 عاد ليتفقد أماكنه الأولى بعد 70 يوماً على فرار الرئيس السابق بشار الأسد. دمشق وحلب وحمص والساحل وحوران والحسكة مسقط رأسه. جميعها تحضر في نص يمزج فيه البكر بين السرد الروائي والنصوص الشعرية بطريقة لافتة، معتمداً الكتابة للانتصار على النسيان، وتصدير الذكريات الشخصية كاختبار لمفاهيم الزمن والذاكرة والهوية.
وكأن عنوان الكتاب السير ذاتي (دار نوفل- بيروت) يعيدنا بسلاسة إلى رواية 'البحث عن الزمن المفقود' لمارسيل بروست (1871-1922). الزمن المستعاد أو الضائع هنا ليس باريس الحرب العالمية الأولى كما في الجزء السابع من رواية الأديب الفرنسي، بل هي دمشق المدينة التي يعود إليها بشير البكر بصور من ماضي إقامته فيها سبعينيات القرن الماضي، تلك القوة الداخلية التي تحيل الذاكرة إلى استبطان وتأمل في الزمن غير الخطي، وخصوصاً الزمن الداخلي الذي نعيشه عبر استعادة الذكريات: 'أنظر في وجوه الناس في الشارع، أحاول قراءة التعابير التي خلفتها أزمنة الطغيان. عيون الرجال تطفح بالأسئلة (...) ترسل نظرات استفهام، لا تبدو النساء على قدر من السعادة، هناك حالة انسحاب نحو الداخل، تقولها لغة الجسد المشدود إلى ذاته بقوة، كأنه فقد مزاياه في الخفة والجمال، وتحول إلى درع حماية، حتى الحجاب الذي يتشابه على الرؤوس يبدو مثل خوذة مدببة' (ص. 20).
الكتابة والمنفى
لا اتفاق سردياً بين البكر والقارئ في كتابه الذي يخلو غلافه من أي تجنيس أدبي، إذ يغيب في كتاب 'سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع' أي عقد أو اتفاق سردي بين الكاتب والمتلقي، والذي عادة ما يجري قراءة النص استناداً إلى هذا الاتفاق الذي عمد الكاتب السوري إلى تعميته. ترك القارئ بهذه الصورة خالياً من أي إحالة أو مصادرة أتاح حرية له كي يستند إلى المألوف والمتعارف لديه من قراءاته السابقة، وهذا ما بدا في النص الذي وظف فيه البكر مقاطع شعرية كمقدمات لمعظم فقراته السردية: 'عبرت الأيام/ تسربت بخفة/ شأن غبار في البرية/ وبقيت الكلاب تنبح/ تطارد ظلال الزمن الضائع/ (ص. 5).
ويبدو غياب العقد السردي نزولاً عند رغبة الشاعر والصحافي السوري في إبرام ما يشبه اتفاقاً فنياً ضمنياً بينه كسارد وبين المسرود له، إذ جعل الكاتب من هذه الصيغة تورية للراوي العليم في إطار دمجه مع شخصية الكاتب وما يحاول استعادته من بشر وتواريخ وأمكنة ربما لم تعد موجودة، أو أنها انمحت إلا من ذاكرة مؤلف أصابها التشويش: 'كل ما يمر أمام العين يصدم الرؤية، ويضخم الأسئلة، هل سبب هذه الانطباعات المشوشة هو الغياب الطويل عن البلد، والتحولات التي أصابت البشر والحجر خلال خراب العقد الأخير' (ص. 21). بهذا المعنى تطل دمشق كمدينة يتجلى فيها الحنين في ذروة وجدانية عالية، فبعد لقاء الكاتب بعائلته أو ما تبقى منها شقيقه وزوجة شقيقه وعدد من الأقرباء، يذهب بشير في نزهة على القدمين في الشوارع والساحات دونما خريطة أو دليل، فلقد حفظ البكر هذه المدينة عن ظهر قلب: 'بقيت في ذاكرتي روائح الأسواق وألوان الأبواب القديمة، الطين، اللبن، الحجر، الخشب، الزيت، النار، الماء، طرقات فسيحة وأخرى ضيقة، مساجد، كنائس، أعمدة من رخام، آراميا، أرض المسيحية والإسلام' (ص. 16).
ويقترب البكر في أسلوبه هذا من صيغة التداعي أو 'المونولوغ' إذ يدنو السرد مما يشبه حواراً باطنياً أو مناجاة داخلية، فيستدعي الراوي شيئاً من ماضيه في ما يشبه 'جولة أولى': 'طلبت من شمس اليوم/ أن تمكث ساعة إضافية/ كي أتأمل شجرة الليمون/ وهي تتوسل الضوء/ في مرسم يوسف عبدلكي'-(ص.19). يتفقد البكر مدينة دمشق وهاجسه استطلاع ما آلت إليه: 'كنت أحاول تبديد حالة من القلق استولت علي منذ لحظة سقوط النظام، قبل أن أترك لفرحي أن يذهب حتى منتهاه. أردت أن أطرد من رأسي حشداً من الأفكار السوداء الجاهزة (...) لا آسف على النظام السابق، ولا أوهام بأن سوريا الجديدة على مرمى الأماني'.
ترتيب الغياب
يمضي الكاتب بعدها في محاولة ما يسميه: 'ترتيب الغياب على هيئة انطباعات'، لكن البكر يدرك أنه في حاجة إلى من يساعده في هذه المهمة الشاقة. ربما أصدقاء رافقوا مسيرته قبل أن يغادر البلاد عام 1980، لكن عبثاً فبعض هؤلاء الرفاق هاجر والآخر مات أو اختفى، أو أصبح منقطعاً إلى عالمه الخاص. يقفز إلى الذاكرة صديقه الفنان التشكيلي جليدان الجاسم الذي حاول التواصل معه، إلا أن زوجة الرسام اعتذرت عن اللقاء وأخبرته بأن زوجها مصاب بالشلل وغير قادر على الكلام. نزهة أخرى ستقود المؤلف مرة أخرى إلى البيت الذي كان يستأجره في حي الشيخ محيي الدين ابن عربي عند سفح قاسيون: 'قصدت الحي على أمل أن أستعيد بعض الذكريات التي تسعفني على تحمل خبر انقطاع الجملة على لسان جليدان الذي كان له رؤية على سعة المدينة التي جئنا إليها من محافظات الأطراف في الجزيرة، ننشد وطناً خارج الكتب المدرسية والخدمة العسكرية والنشيد الوطني وحواجز أقبية الأمن' (ص. 22).
لا يلتزم البكر في كتابه بما يسمى 'الميثاق السردي' القاضي بتستر الروائي وراء نائبه السارد، بل يدخل النص ويعلن عن وجوده فيه، فيتدخل ليعلق على الأحداث والمشاهدات الكثيفة التي يسجلها على دفتره الصغير. ماسحو الأحذية وصرافو العملة الصعبة ونادي ضباط دمشق المحاط بأكياس القمامة وصولاً إلى مقهى الروضة الذي يلتقي على طاولاته بمثقفين وأدباء وفنانين آثروا البقاء وعدم مغادرة البلاد، منهم الروائي خليل صويلح والصحافي يعرب العيسى والشاعر باسم قاسم والموسيقي بشار زرقان والسيناريست عدنان العودة: 'كنت أريد تكوين صورة فحسب، لا تقييم موقف أحد، بالنسبة إلى البقاء في البلد خلال تلك الأعوام كان محل سؤال بلا جواب نهائي، فكرت طويلاً في أحوال هؤلاء الناس، حتى الذين كانوا يعملون في المؤسسات الرسمية، وحين رجعت وشاهدت بعيني الوضع العام المزري، أستطيع أن أقول من دون تردد إن هؤلاء أبطال يستحقون كل تقدير، ولابد من الإشارة إلى أن هناك من الذين غادروا البلد، وركبوا موجة الثورة، يزايدون على من ظلوا في الداخل صامتين لأن ثمن الكلمة كان يعادل قطع الرأس' (ص. 25).
سيرة المكان
تحضر سيرة البيوت والمكتبات والمقاهي الثقافية التي كان الكاتب يرتادها، ويحضر مدرج جامعة دمشق الذي شهد أنشطة البكر السياسية والثقافية خلال وقت مبكر من شبابه: 'الصدمة كلمة متواضعة أمام حال جامعة دمشق. هذا المكان دخل إلى وعينا، بوصفه الحجر الأول لدولة الاستقلال السورية (...) الحقوق والطب والفنون تبدو كأنها بؤرة لعالم عشوائي بدأ يتشكل هنا منذ عدة عقود، وصار يتمدد تدريجاً نحو الأطراف، بسطات الباعة الجوالين التي تنتشر كالفطر تحتل الأرصفة والشوارع وتسد مدخل الجامعة من جهة كلية الحقوق، ولولا الأسوار العالية لكانت دخلت الحرم الجامعي، الذي كان ذات يوم أحد أسباب قوة المدينة'.
بيت في شارع العابد، وآخر في برج الروس، وصولاً إلى زيارة فرع الخطيب أحد المقار الأمنية لنظام الأسد البائد التي كانت تحت حراسة أمنية مشددة بعد سقوط سلطة البعث. انتظر البكر لبرهة قبل أن يخبره الحارس الشاب بعدم موافقة الجهات المتخصصة على دخول الفرع الذي قضى فيه معتقلاً أيام عدة مع أحد رفاق النضال: 'ظننت أن هناك لغزاً أمام قرار المنع، شككت في أن السجن لا يزال يستقبل بعض النزلاء والإدارة موجودة في الداخل، لا تريد أن تكشف هذا الأمر، وراودني شعور آخر بأن الحارس شك في أني أعلم بذلك وجئت لغاية ما، متحججاً بأني نزيل سابق' (ص. 35).
يعود البكر بعدها إلى البحث عن عناوين أصدقاء وصديقات له تغيرت إقاماتهم: غادة قندلفت وجميل حتمل ووائل السواح، ومثلهم فاطمة لاذقاني وجبرائيل غربي وليلى وفائي. أسماء يستعيدها الكاتب مشياً من حي التجارة إلى حي القصاع فساحة العباسيين، لكن عبثاً يعثر على ضالته: 'مرة أخرى واجهت الفشل (...) هناك مبان جديدة ومصارف، وشركات حديثة. أدرت ظهري واتجهت نجو ساحة العباسيين' (ص.33). يسجل الكاتب المقيم في أوروبا سرداً ذاتياً من خلال إضفاء ذاته على الحوادث والمواقف ويقدم للمتلقي الوعي بهذه الحوادث والمواقف والشخصيات، فيتحول الزمن الخارجي لهذه الأحداث والشخصيات إلى زمن نفسي صرف.
تبرز هنا ملاحظات البكر على أحياء راقية من العاصمة السورية من مثل حي الشعلان الذي لحق به تعب في البنية التحتية جعله أقرب إلى حي شعبي مهمل، لكن في المقابل دمشق خالية من العسكر والشرطة يقول البكر ويضيف 'على عكس ما جرت عليه الأحوال في العهود الماضية، لا يعثر المتجول في شوارعها على مظاهر عسكرية، حتى النوادي الخاصة بالجيش مغلقة ومقفرة. كانت في السابق تكتظ بأصحاب النجوم التي تلمع فوق الأكتاف، وكانت الأوسمة تزين الصدور والمسدسات تتدلى على الخصور. لا أحد من هؤلاء في المدينة، كلهم تبخروا ليلة سقوط النظام، بعدما دمروا البلد ونهبوه، ولم يتركوا خلفهم سوى الفقر وأجزاء من البلد محتلة'.
يفتقد الكاتب أيضاً أصدقاءه القدامى: علي الجندي وعادل محمود وبندر عبدالحميد، عادل حديدي ودعد حداد وخالد خليفة. فقدان يتلوه شعور بفقدان دمشق لحلتها الثقافية: 'لا مزاج، لا شعر، لا سينما، لا رقص، لا طرب أو غناء، لا شراب يؤنس النفس، ويشعل الحواس، يجعل الأيام خضراء. صحراء من كل الجهات. إلهي لماذا شبقتنا، تخليت عنا، تركتنا في هذا العراء (...) أين أسراب النساء الجميلات، الساحرات، بنات الشعر والمطر، سيدات الماء الصافي من ينابيع بردى' (ص. 50). يلتقط البكر عدد من المشاهدات ضمن صقل أدبي محكم، ولغة تنهل من معينه الصحافي في قراءة المشهد الجديد: 'دمشق مدينة للجمال، وحين يتراجع الفضاء العام، فإن ذلك مؤشر إلى خلل كبير، أمر يلفت الانتباه، يتجلى في العدد القليل للنساء في الفضاءات العامة بالقياس إلى أعداد الذكور، وجوه ذكورية بكثرة في كل مكان، تفرض حضورها من خلال ملامحها الحادة، لا بما تحمله من خلال تعابير الفطرة الصافية' (ص. 71).
لم يغادر بشير سوريا ليبحث عن وطن بديل كنا يخبرنا: 'طبعي مسكون بفيروس النفور من المكان الواحد، والوطن بمفهوم الحدود وجواز السفر والشرطة والمطار (...) كنت في كل مكان من الوطن العربي أسمع لازمة الترحيب المعتادة 'أهلاً وسهلاً بك في بلدك الثاني'، لكن من قال لأصحاب المطارات إني سافرت لأبحث عن بلد ثان أو ثالث؟ إن كنت تخليت طواعية عن بلدي الأول وتركته خلف ظهري، فهل يعقل أني خرجت لأفتش عن رئيس شرطة آخر لأقدم له الولاء والطاعة، وعن علم ونشيد أموت لأجلهما بلا سبب؟ إن من ينشق عن وطنه الأصلي لن يكون مشغولاً بأن يعثر على وطن جديد، سيكون عرضة لأن يصبح مواطناً لأكثر من بلد'.




































































