لايف ستايل
موقع كل يوم -في فن
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
في دراما رمضان 2026، قدم مسلسل م'صحاب الأرض' (من انتاج المتحدة واحمد طارق وتأليف عمار صبري، وتطوير السيناريو محمد هشام عبية، وإخراج بيتر ميمي) نموذجاً مميزًا لكنه متناقضاً؛ فهو من جهة عمل فني خلق 'اشتباكاً' وجدانياً عميقاً مع المشاهد في بداياته، ومن جهة أخرى سقط في فخ 'الاشتباه' في حلقاته الأخيرة، حيث غلبت لغة 'البيان' على لغة 'الفن'.
'الاشتباك' الوجداني.. حين تلتحم القضية بالروح
في الحلقات الأولى، نجح المخرج بيتر ميمي وطاقم التمثيل المتميز (بقيادة إياد نصار، منة شلبي، كامل الباشا، وآدم بكري) في خلق حالة من 'الاشتباك' (Engagement) الحقيقي. لم يكن المشاهد مجرد متلقٍ، بل كان مشاركاً في المعاناة الإنسانية. هذا الاشتباك كان نابعاً من عفوية الأداء، والرمزية البصرية التي منحت للمشاهد مساحة ليفهم 'عدالة القضية' من خلال نظرة عين أو مشهد صامت، لا من خلال خطابات جهورية.
فخ التمدد.. بين تكثيف العشرة وتشتت الثلاث
تكمن المفارقة الكبرى في هذا العمل في بنية 'المسافة الزمنية'؛ فقد كانت الحلقات الاثنتا عشرة الأولى هي الذروة الحقيقية للإبداع، حيث كان من الممكن تكثيفها في عشر حلقات مركزة لتصبح أيقونة درامية لا تُنسى. في تلك الحلقات، كان الصدق الفني هو المحرك، والاشتباك مع المتفرج في أعلى مستوياته.
لكن، ومع الانتقال إلى الحلقات الثلاث الأخيرة، حدث انكسار فني حاد؛ حيث بدأ 'التراجع الإعلامي' والتوجيه التوعوي المباشر يفرض سطوته على السرد. هذا التحول من 'الدراما الإنسانية' إلى 'المادة الإرشادية' أفسد على المشاهد متعة الحلقات الأولى ودهشتها، وحوّل العمل من رحلة وجدانية عميقة إلى خطاب توجيهي جاف، مما جعل النهاية تبدو وكأنها تنتمي لعمل آخر تماماً، أفقد المسلسل وهجه وتماسكه.
'الاشتباه' في الرؤية.. حين تُستبدل اللغة الدرامية بلغة البيانات المباشرة
على النقيض من البدايات، وقعت الخواتيم في 'الاشتباه' (Ambiguity) الذي يقتل المتعة البصرية. تحول الخطاب الإبداعي من 'القصة التي تروي نفسها' إلى 'النص الذي يبرر نفسه'. إن غياب 'الغموض المحفز' واستبداله بـ 'البيان الإعلامي' أو التوجيه اللوجستي، خلق حاجزاً ذهنياً؛ فالمشاهد لم يعد 'مُشتبكاً' مع الحدث، بل أصبح في حالة 'اشتباه' تجاه الأهداف من وراء هذه التحولات، مما أضعف هيبة الإبداع الذي قدمه المخرج وهؤلاء النجوم الكبار مثل كيرا يغنم وإياد حوراني.
يظل البعد الإنساني الدرامي الأبقى
إن الفن الذي يخلد هو الذي يتقن 'فن المسافة' بين القضية والمشاهد. لقد كان 'صحاب الأرض' قادراً على أن يكون ملحمة عالمية لولا ضريبة المباشرة التي دُفعت في الأمتار الأخيرة. إن المسافة الفاصلة بين نجاح العمل وانكساره هي ذاتها المسافة التي يقرر فيها المبدع: هل يثق بذكاء المشاهد وقوة الرمز الدرامي الفني، أم يخضع لسطوة التوجيه المباشر الوقتي ؟!




























