اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
يبدو الجدل المحتدم الآن حول موضوع التغيير في ظاهره ثقافياً وفنياً وفكرياً
اصطلحت السلطات السورية الجديدة أن انتصار الثورة يجُب ما قبلها، كان ذلك مقبولاً ضمن مسارات تعددية واسعة عبر عنها الرئيس أحمد الشرع نفسه حين قال، 'نصر بلا ثأر'، لكن سؤالاً متأخراً طفا إلى السطح مع بدء تداول أخبار وضع النشيد الوطني الجديد للجمهورية، فكان السؤال 'هل جبت الثورة أيضاً نشيداً ظل على شفاه المواطنين لأكثر من ثمانية عقود، بكل ما مر فيها من محطات ومفارق مفصلية وثورات وانقلابات وتحالفات وتغيرات دولية وإقليمية، ليستبدل الآن بآخر من دون توافق شعبي؟'.
يبدو الجدل المحتدم الآن حول موضوع تغيير النشيد في ظاهره ثقافياً وفنياً وفكرياً، لكنه في العمق لا شك أنه أبعد من ذلك بكثير، فالمسألة ليست قصة قصيدة تستبدل بأخرى، ولحن بآخر، بل استبدال تاريخ كامل عاصر مرحلة الانتداب الفرنسي حتى، قديم، قديم جداً.
القصة المغرقة في رمزيتها باتت الآن تدور في خلد الطروحات السياسية المتسائلة عن مشروعية تغيير نشيد وطني تاريخي كتبه عام 1938 الشاعر الدمشقي خليل مردم بك، رئيس المجمع العلمي بدمشق، والأديب المر، والوزير السابق، والمناضل الوطني، ولحنه الأخوان فليفل من لبنان، ودافع عن تبنيه رسمياً السياسي السوري الأشهر في تلك الحقبة، فارس بك الخوري. النشيد ذاك الذي ظل معتمداً حتى سقوط النظام كان يحمل اسم 'حماة الديار'، وفي متنه من الحماسة والعروبة والتاريخ ما فيه.
'نظام الأسد مجرم، متفقون، لكن الشرع يعيش في ذات قصر بشار، لماذا لم يدمر القصر إذاً؟ هذا ينطبق على النشيد أيضاً'، يقول المتخصص في علم الاجتماع عيسى محمود، مضيفاً 'الآن الحجة أن النشيد السابق مرتبط بجيش النظام، هذا طبيعي أنه كان مرتبطاً به خلال الحرب، لكنه مرتبط بهوية وتاريخ سوريا أيضاً، مرتبط بذاكرتنا الجماعية'.
ويتساءل 'لماذا يستخدم الجيش الحالي آليات ومعدات وبنادق الجيش السابق؟ تلك مفارقات معيبة، لماذا تغيير النشيد؟ هناك ازدواجية غير محمولة إلا على استعراضات تلهي الناس عن أشياء أهم بكثير، كمثل حفل الاحتفاء بالهوية البصرية للجمهورية، غيرنا العقاب بنسر، حسناً، هل شبعت الناس؟ ابن خلدون تحدث مطولاً في مقدمته عن سياسة إلهاء الشعوب بالقشور لتمرير الأبعد، ونحن الآن كل يوم نتصارع في قضية تخلق فجأة وإسرائيل ربما وصلت ريف دمشق! اتركوا النشيد لهذا الجيش الجديد، فهم الحماة الآن، وفيهم ينطبق البيت القائل فيه: حماة الديار عليكم سلام – أبت أن تذل النفوس الكرام'.
تفجر النقاش حول ضرورة تغيير النشيد من عدمه وانطلق ليشمل حيزاً واسعاً من مساحة حوارات السوريين على منصات التواصل والشاشات، البعض يتعامل مع النشيد على أنه إرث ثقيل ويضعه موضع العاقل الذي يستوجب المحاسبة والمساءلة وتمريره من تحت بوابة العدالة الانتقالية بوصفه شخصية عاقلة لا رمزية كما هو، وهذا الرأي هو الأكثر تشدداً في الدفاع عن الفكرة، والرأي هذا محمول بربط النشيد فقط بمرحلة الحرب وجيش بشار وسني القصف ومن ثم كان شاهداً وحاضراً على مدن دمرت وملايين تهجرت.
رأي آخر يراه إرثاً وطنياً عظيماً بموجب ثقله الزماني والمكاني، وجزءاً أصيلاً من كينونة الدولة السورية التي مرت فوق رؤساء كثر وستمر فوق آخرين أيضاً ولن تكون في كل مرة مضطرة إلى تغيير ديدنها وتاريخها واقتلاع جذورها، اليوم يتصارع الأدباء والشعراء والنحويون وفقهاء اللغة وأساتذتها والسياسيون وعامة الشعب حول هذين الرأيين، وبينهما يتسلل تيار ثالث يكاد لا يرى، ربما يعبر عنه باختصار شخص لا علاقة لها بهذا الجدل مباشرة، مزارع بسيط اسمه أحمد الفرخ، فيقول 'لماذا دائماً يجب أن يكون النشيد مكتوباً للحرب، لماذا لا نكتب نشيداً عن الحب والقمر والقمح؟ كل الأناشيد هنا ليست للشعوب'.
السلطة السورية فعلياً اتخذت القرار قطعياً بتغيير النشيد، صار الأمر من المسلمات، وعليه أعلنت وزارة الثقافة بعد تشكيل لجنة أولية عن اختيار سبعة نصوص نهائية للتنافس على أي منها سيكون هو النشيد الوطني المقبل، تلك النصوص أعلن عنها وجرى نشرها للتداول، وهذا بدوره فتح باب جدل أوسع من السابق حول تغيير النشيد نفسه، وذلك لأنه ارتبط بمستوى الجودة الشعرية للنصوص ومعايير اختيارها ومع من تنافست حتى تصل لمرحلة التصفيات، والأهم هو السؤال عن شرعية تولي وزارة الثقافة أمراً كهذا بحد ذاته.
يرى جعفر تركماني الذي يعمل في مركز للأبحاث أن 'الأمر أصبح مشحوناً كثيراً، ولم يعد مثار نقاش ثقافي مركز بقدر ما صار موضع سخرية أدبية من أدباء يعرفون الدواة والمحبرة كما يعرفون أنفسهم، فضعف اللغة الشعرية وركاكتها واضح للعامة في النصوص النهائية، وأي مقارنة لأي قصيدة منها مع النشيد السابق كفيلة بنسفها تماماً، هل كان عيباً لو جرت الاستعانة بالكفاءات السورية الفعلية؟ باتحاد الكتاب؟ بشعراء عرب مرموقين وهم كثر؟ بالمناسبة لدينا شاب سوري حصد جائزة أمير الشعراء قبل أعوام، ومثله كثر لا يقلون عنه براعة'، ويضيف 'الآن سوريا محكومة بإعلان دستوري موقت، برلمان معطل، مؤسسات حكومية شبه متوقفة، قضاء منتهٍ، تعليم متهاوٍ، شكل حكم مبهم، سلطة غير مفهومة تركيبتها وطريقة تموضعها ومدة انتقاليتها، وقبل أن نبحث في كل ذلك نقوم الآن ببحث إعادة تعريف هوية الدولة عبر نشيدها، أما أنه زمن عجيب فعلاً!'.
مع التداول الواسع جداً للقصائد النهائية والسجال الأدبي المهني أو الساخر منها عبر عدد كبير من المهتمين من الشعراء والأدباء والكتاب والروائيين والقاصين عن دهشتهم من مستواها الفني الذي وصفه البعض بما دون المتوقع، فيما وصفها آخرون بالأناشيد التي تلتمس طريقها بالوساطات، وآخرون كانوا أكثر عدائية في رأيهم معتبرين أنها كالقصائد التي تعطى لتلاميذ المرحلة الأولى.
الشاعر سليمان حسن قال 'جوهر الشعر في جزالته ومتانته واستعاراته وجمال تشابيهه ولكن ما رأيناه للأسف هو عبارة عن حشو شعري يغلب عليه الطابع الإنشائي الفج ولغة الشعارات المعلبة، على سبيل المثال إحدى القصائد جاء فيها هذا البيت (تحمل الأقلام في السلم سلاحاً)، ألم يجد الشاعر الذي كتبه شيئاً مباشراً أكثر؟ هذه جملة خطابية شعاراتية وليست تركيباً شعرياً متماسكاً، هل ظل أحد في التاريخ لم يتحدث عن ربط القلم بالسلاح؟ هنا فقدت الجملة أي إطار يضعها ضمن إيقاع حماسي أو طاقة تصويرية، الجملة تصلح لأن تكون مكتوبة على لافتة في مسيرة أو مجلة الحائط المدرسي لا أن تكون نشيد جمهورية!'.
بدوره يقول نائب عميد كليات الآداب السابق في جامعة حمص منصور مرشد، 'لا أدري لماذا ضاقت السبل بهم هكذا، كان بإمكانهم اعتماد نشيد –في سبيل المجد والأوطان - للشاعر الكبير والسفير السوري السابق المرحوم عمر أبو ريشة، وفيها من الدقة والمتانة والمعاني ما فيها، ودون ذلك لا أدري لماذا ثمة سؤال لا يفارقني في هذه القضية، نحن في سوريا نملك الشاعر العملاق أدونيس الذي يقترب على الدوام من جائزة نوبل، وهو فخر من أنجبت هذه البلاد، هل استشاره أو راسله أو طلب منه أحد المشاركة؟ الجواب لا قطعاً، وبالمناسبة سنوياً يحصد شبابنا السوري جوائز عالمية في الشعر'.
جزئية أخرى تولت بدورها تفجير جدل إضافي، وهي أن وزارة الثقافة المسؤولة عن النشيد، وزيرها نفسه محمد الصالح قدم قصيدة من بين القصائد النهائية، فصار هو الخصم والحكم في الاختيار، فكيف سيحكم بين القصائد وهو طرف في التقديم والقبول؟ هذا سؤال طرحه كثر، وأجاب عنه لـ'اندبندنت عربية' الدبلوماسي السابق عمر عزيز بقوله 'هذا لا يعيب الوزير تقنياً، هو أساساً شاعر وقادم من تلك الخلفية ويجيد قرض الشعر، لكن كان من الأفضل لو التزم الحياد ولم يتقدم بقصيدة على رغم أنها مشتركة مع شاعر آخر، لأن الرأي لو استقر عليها سيكون في موقف شعبي محرج يتهمه بصرف النفوذ، وهنا أتحدث بخبرتي الدبلوماسية لأننا كثيراً ما كنا نواجه مواقف مشابهة ولو في سياقات أبعد وأكثر إحراجاً، وهو رأى بعينه كم تتعرض الحكومة للانتقاد بسبب ملف تعيين الأقارب والامتيازات، وموضوع النشيد لا يقل في الامتياز عن سواه حال اختيار قصيدته بمعزل عن جودتها وأنا لست في موضع أستطيع تقييمها أدبياً'.
وحول قصيدة الوزير نفسها يختار طالب الدراسات العليا في الأدب العربي عابد أصيل بيتاً منها يقول 'كانوا وكنا... والكواكب لا تطال'، ليشرح مستكملاً 'هذا حشو بصراحة، حشو مبالغ فيه، من الذي كان، ومن نحن، ومن هم؟ ما هذه الشيفرة؟ ببساطة إن لم تستطع الاستعارة فلا تستخدم الكناية بغير موضعها لتترك الباب مفتوحاً على تأويلات لا تنتهي، والكارثة أنه نفس الوزير الشاعر الذي قال قصيدته الشهيرة في حفل توليه حقيبة الثقافة (فسجل يا زمان النصر سجل... دمشق لنا إلى يوم القيامة).
ويضيف 'منذ ذلك الوقت وهو مصر أن يضعنا في حيرة، لمن دمشق إلى يوم القيامة، الكناية هنا عائدة على من بالضبط؟ لا يزال السوريون يبحثون عن جواب، بصراحة وللأمانة الوزير الصالح يملك مخزوناً معرفياً واسعاً لكن غريب جداً أن يقدم نشيداً من ثمانية أبيات يخلط فيه شرق الأرض بغربها معتمداً على ألفاظ جميلة لكنها غير متفقة في الروح، المشكلة أنه وقع في إنشاء بلاغي مكرر ومكروه شعرياً ويفتقر إلى الكثافة الصورية'.
كان متوقعاً أن يمتد التفاعل مع الموضوع واسعاً ليتحول إلى ما يشبه محاكمة شعرية علنية يشارك بها الجميع تباعاً، فالنشيد للأمة، وليس للأفراد، هكذا هو العرف، وهو يعبر عنها وعن تطلعاتها وآمالها وحماستها وحتى رؤيتها لموقعها ومكانتها، ومن هذا المنطلق ثمة أناشيد تعتمد الهدوء لحناً ونصاً، وأخرى تصارع في الفكرة والموسيقى.
يسخر الصحافي سام سليمان من كل ما يحصل، مصراً أن يكون النشيد مقطعاً شهيراً من قصيدة لنزار قباني قال فيها، 'إذا خسرنا الحرب لا غرابة، لأننا ندخلها، بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة، بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة، لأننا ندخلها، بمنطق الطبلة والربابة، بالناي والمزمار لا يحدث انتصار، كلفنا ارتجالنا، خمسين ألف خيمة جديدة'.
يعلق على ذلك 'هذا أفضل نشيد ممكن لأنه مطابق تماماً لأحوالنا في المنطقة، كفى سخرية، ليطعموا الجوعى أولاً ثم ليكتبوا أناشيد تستنهض الهمم، ما هذه الجمل الغريبة في النصوص الأغرب التي جرى اختيارها، قصيدة تقول: نسمو بأرض ترتدي معنى السماء، وأخرى تقول: وإنا جحيم العداة، وثالثة: كلنا نفدي الوطن، من سيفدي الوطن ولا يوجد سوريان متفقان على رأي؟ علينا فقط أن نتأمل ألا تتقسم سوريا قبل إقرار النشيد الجديد'.
على الجانب الآخر يدافع الحقوقي ماجد زعيتر بشراسة عن ضرورة وجود نشيد جديد 'النشيد هو صورة الدولة وواحد من أهم أشكال انعكاس مكانتها وهو لا يقل أهمية عن السلاح كما أنه جزء راسخ من مفهوم السيادة، هل هناك دولة بلا نشيد، ونحن بلا نشيد منذ التحرير، على الناس أن تفهم أن نشيد حماة الديار لم يعد مقبولاً لأنه مرتبط بالذاكرة الجمعية لدى الأهالي بجيش النظام المجرم، سوريا دخلت عصرها الجديد، وفي هذا العصر هي تحتاج إلى كل ما هو جديد لهذه المرحلة، وإن كان كل أمر سنقول ليس وقته فلن نفعل شيئاً، العمل على النشيد لم ولن يعوق أي نشاط سياسي أو اقتصادي للدولة، لذا أنصح كثيرين التوقف عن الاصطياد في الماء العكر وتعكير زهو انتصار السوريين'.




































































