اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
عقب الاستهداف فقدت منظومة الطاقة نحو 3200 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية
في لحظة واحدة، فقدت منظومة الكهرباء العراقية نحو 3200 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية، وفق ما أعلنته وزارة الكهرباء، بعد التوقف الكامل لضخ الغاز الإيراني عقب القصف الإسرائيلي لمنشآت حقل 'بارس'، هذا الانخفاض الحاد لم يكن مجرد رقم تقني عابر، بل صدمة مباشرة كشفت عن عمق الاعتماد الهيكلي للعراق على مصدر طاقة خارجي، في منطقة تتسم أصلاً بعدم الاستقرار.
الحدث، الذي جاء في سياق تصعيد إقليمي متسارع، انعكس فوراً داخل المدن العراقية، إذ تراجعت ساعات تجهيز الكهرباء، وعادت المولدات الأهلية لتفرض حضورها كحل اضطراري، مع ما يحمله ذلك من أعباء مالية إضافية على المواطنين، خصوصاً مع اقتراب فصل الصيف الذي يبلغ فيه الطلب على الطاقة ذروته.
يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن ما جرى 'ليس مفاجئاً بقدر ما هو نتيجة مباشرة للاعتماد الكبير على الغاز الإيراني'، موضحاً أن جزءاً أساساً من إنتاج الكهرباء في العراق قائم على هذا الغاز لتشغيل محطات التوليد.
ويضيف أن 'فقدان آلاف الميغاواط خلال ساعة واحدة يعكس هشاشة المنظومة بصورة واضحة، إذ يؤدي انقطاع الغاز إلى خروج محطات كاملة عن الخدمة أو انخفاض كفاءتها بصورة كبيرة'، مؤكداً أن تداعيات ذلك لا تتوقف عند قطاع الكهرباء فقط.
وبحسب السعدي، فإن الأزمة تمتد إلى الاقتصاد ككل، إذ يؤدي تراجع إنتاج الكهرباء إلى تعطل المصانع وخطوط الإنتاج، وزيادة الاعتماد على المولدات الخاصة ذات الكلفة العالية، مما يرفع تكاليف الإنتاج ويغذي معدلات التضخم بصورة غير مباشرة، فضلاً عن تراجع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية.
ويشير أستاذ الاقتصاد الدولي إلى أن الحكومة ستجد نفسها مضطرة إلى تعويض النقص باستخدام الوقود السائل، وهو خيار مكلف مالياً، مما يضيف أعباء جديدة على الموازنة العامة، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار النفط والتحديات المالية القائمة.
من جانبه يحذر الباحث والأكاديمي علي الجبوري من أن استمرار توقف إمدادات الغاز قد يقود إلى 'تداعيات خطرة على استقرار المنظومة الكهربائية'، خصوصاً مع ارتفاع الطلب المتوقع خلال فصل الصيف.
ويقول الجبوري في تصريح صحافي إن 'العراق يعتمد بصورة كبيرة على الغاز الإيراني لتشغيل عدد من محطات إنتاج الكهرباء، مما يجعل أي انقطاع مفاجئ يؤدي إلى خسارة فورية في القدرة الإنتاجية وانخفاض ساعات التجهيز في معظم المحافظات.
ويضيف أن الأزمة بدأت بالفعل بالانعكاس على أرض الواقع، من خلال خروج وحدات توليد رئيسة عن الخدمة أو تقليص إنتاجها، محذراً من أن 'العجز قد يتفاقم بصورة أكبر خلال الأسابيع المقبلة إذا لم يجر إيجاد بدائل سريعة أو استئناف الإمدادات'.
كما يلفت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة سيضاعف الضغط على الشبكة الكهربائية، مما قد يدفع إلى تطبيق برامج قطع مبرمج أكثر قسوة، خصوصاً في المدن ذات الكثافة السكانية العالية مثل بغداد والبصرة.
في السياق ذاته، يوضح الخبير في شؤون الطاقة والكهرباء المهندس حيدر المالكي أن 'الخيارات المتاحة أمام وزارة الكهرباء على المدى القصير تبقى محدودة'، مبيناً أن تشغيل المحطات باستخدام الوقود السائل يمثل 'حلاً إسعافياً لكنه مكلف وأقل كفاءة'.
ويضيف أن التحول إلى الوقود السائل لا يرفع كلفة الإنتاج فقط، بل يخلق تحديات فنية، إذ إن عدداً من المحطات صممت للعمل على الغاز، مما يجعل تشغيلها بوقود بديل أقل استقراراً، وقد يؤدي إلى أعطال أو انخفاض العمر التشغيلي للمعدات.
كما يشير إلى أن هذا الخيار يزيد من الضغط على منظومة النقل والتجهيز، ويحتاج إلى لوجستيات معقدة لتأمين الوقود ونقله، مما يفتح الباب أمام اختناقات إضافية في سلسلة الإمداد.
بدوره، يؤكد الخبير الكهربائي سعد علي أن ما يحدث اليوم 'ليس أزمة طارئة بقدر ما هو انعكاس لمشكلة بنيوية تراكمت على مدى سنوات'، مشدداً على أن الاعتماد على الغاز المستورد جعل المنظومة رهينة للتقلبات السياسية والأمنية في المنطقة.
ويقول علي إن 'العراق يمتلك احتياطات كبيرة من الغاز المصاحب، الذي يحرق جزء كبير منه بدل استثماره'، مضيفاً أن تأخر تطوير مشاريع استثمار هذا الغاز هو ما أبقى الحاجة قائمة إلى الاستيراد.
ويرى أن 'أي توتر إقليمي، كما حدث في قصف حقل بارس، يمكن أن يتحول فوراً إلى أزمة داخلية تمس حياة المواطنين'، مؤكداً أن الحل الجذري يكمن في تسريع مشاريع استثمار الغاز المحلي، وتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة.
لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الطاقة، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، فمع تراجع ساعات التجهيز، ترتفع كلفة الاشتراك بالمولدات الأهلية، مما يثقل كاهل الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود.
كما تتأثر القطاعات الخدمية، مثل المستشفيات والمراكز الصحية، التي تعتمد بصورة كبيرة على استقرار الكهرباء، إلى جانب تأثيرات واضحة على قطاع التعليم، خصوصاً مع اقتراب الامتحانات في بعض المراحل الدراسية.
أما القطاع الخاص، فيواجه تحديات مضاعفة، إذ يؤدي عدم استقرار الكهرباء إلى زيادة كلف التشغيل وتراجع الإنتاجية، مما قد يدفع بعض المشاريع الصغيرة إلى التوقف الموقت أو تقليص نشاطها.
في السنوات الأخيرة، طرح العراق مشاريع عدة للربط الكهربائي مع دول الجوار، مثل الربط مع دول الخليج والأردن وتركيا، كجزء من استراتيجية تنويع مصادر الطاقة.
غير أن هذه المشاريع، على رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مرحلة يمكنها تعويض أي انقطاع كبير في الإمدادات، سواء بسبب التأخير في التنفيذ أم محدودية الطاقة المستوردة مقارنة بحجم الطلب المحلي.
ويرى متخصصون أن الربط الإقليمي يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يغني عن تطوير الإنتاج المحلي، خصوصاً في مجال الغاز والطاقة الكهربائية.
تظهر أزمة توقف الغاز الإيراني أن ملف الطاقة في العراق لم يعد مجرد قضية خدمية، بل تحول إلى أحد أهم ملفات الأمن الوطني. فاستقرار الكهرباء يرتبط بصورة مباشرة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بل وحتى السياسي.
ويؤكد مراقبون أن ما حدث يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على إدارة أزمات الطاقة، في ظل بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة، إذ يمكن لأي تصعيد خارجي أن ينعكس بسرعة على الداخل.
مع استمرار التوترات في المنطقة، تبقى الأنظار موجهة نحو كيفية تعامل الحكومة العراقية مع هذه الأزمة، وما إذا كانت ستدفع باتجاه تسريع الإصلاحات في قطاع الطاقة.
الصدمة التي أحدثها فقدان 3200 ميغاواط خلال ساعات أعادت طرح الأسئلة القديمة بقوة: لماذا لم يستثمر الغاز المحلي بالصورة الكافية؟ ولماذا بقيت المنظومة معتمدة على الاستيراد على رغم التحذيرات المتكررة؟ في المحصلة، قد لا تكون أزمة 'بارس' الأولى، لكنها بالتأكيد واحدة من أكثر الأزمات وضوحاً في الكشف عن هشاشة منظومة الكهرباء في العراق، وربما تكون نقطة مفصلية تدفع نحو إعادة النظر في سياسات الطاقة، إذا ما جرى التعامل معها كجرس إنذار حقيقي لا كأزمة عابرة.
ففي بلد يمتلك ثروات طاقة كبيرة، يبقى التحدي الأساس ليس في توفر الموارد، بل في كيفية إدارتها وتحويلها إلى عنصر استقرار، بدلاً أن تبقى مصدراً دائماً للأزمات.






































