اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
في صباح عادي، وأنا أوصل أبنائي إلى المدارس، لفت انتباهي حديث مواطنين عبر محطات إذاعة إف إم عن زيت الزيتون وأسعاره، وعن مخاوف الغش والتزوير وسبل حماية المستهلك. وقد طرحوا أفكارًا تستحق التوقف عندها؛ فالقضية لا تتعلق بسلعة غذائية عادية، بل بمنتج وطني أصيل، وشجرة مباركة ارتبطت بأرض الأردن وتاريخه، وما زالت بيننا أشجار زيتون معمّرة تشهد على عمق هذه العلاقة.
نحن بحاجة إلى حلول علمية وعملية تعيد الثقة إلى المواطن، وتحمي المزارع وأصحاب المعاصر والتجار الملتزمين، وتصون سمعة زيت الزيتون الأردني في الأسواق المحلية والخارجية. فليس من العدل أن يتحمل المنتج النزيه تبعات ممارسات الغش، ولا أن يبقى المستهلك حائرًا في التمييز بين الزيت الأصلي وما قد يُعرض باسمه.
ومن هنا، أقترح دراسة إنشاء منظومة وطنية لتوحيد عبوات زيت الزيتون، من خلال مصنع حكومي أو جهة معتمدة تخضع لرقابة رسمية، تتولى إنتاج عبوات بمواصفات موحدة وأحجام متعددة، منها عبوات خمسة لترات والتنكة التقليدية ذات سعة تقارب ستة عشر كيلوغرامًا، مع تطوير أحجام أصغر تناسب الأسر محدودة الدخل. وتُتاح هذه العبوات لأصحاب المعاصر بأسعار عادلة ومدروسة، تحقق استدامة المشروع ولا تزيد الأعباء عليهم أو على المستهلك.
ولا يكفي أن تكون العبوة موحدة الشكل؛ بل يجب أن تكون محكمة الإغلاق وفق مواصفات فنية دقيقة، ومزودة بختم أمان ينكسر عند فتحها للمرة الأولى، بحيث تظهر أي محاولة لإعادة الإغلاق أو العبث بها. ويمكن الاستفادة من التجارب الأوروبية وغيرها، وتطبيق وسائل التحقق الحديثة، مثل الباركود والرموز الرقمية الأكثر تطورًا، وربط العبوة ببيانات موثوقة عن المعصرة ومصدر الزيت وموسم إنتاجه، بما يصعّب التزوير ويمنح المستهلك وسيلة للتحقق من المنتج.
أما الرقابة، فهي جزء أساسي من الحل، ولا تحتاج إلى توزيع الجهود على مدار العام. فمعاصر الزيتون تعمل خلال موسم محدد لا يتجاوز عادة شهرًا أو شهرين، وأعدادها محدودة ومعروفة مقارنة بالمنشآت الصناعية الكبيرة، كما توجد مديريات زراعة وجهات رقابية مختصة في محافظات المملكة. وهذا يجعل تكثيف الرقابة خلال الموسم أمرًا عمليًا وممكنًا، من خلال زيارات ميدانية منتظمة، وفحص عينات الزيت، والتحقق من مصادر الزيتون والكميات الواردة والمنتجة، ومتابعة التعبئة والتخزين والتداول. ويمكن لوزارة الزراعة، بالتعاون مع المؤسسة العامة للغذاء والدواء والجهات المعنية، أن تجعل هذه الفترة موسمًا لرقابة أكثر فاعلية، تحمي المستهلك وتصون سمعة المعاصر الملتزمة.
إن زيت الزيتون ليس مجرد سلعة موسمية؛ إنه إرث وطني واقتصادي وثقافي، والشجرة المباركة تستحق منا عناية تليق بقيمتها. آن الأوان لحماية هذا الإرث بمنظومة حديثة تجمع بين العبوة الآمنة والرقابة المركزة والتقنيات التي تكشف التلاعب. كما أن الدولة تملك أدوات أخرى لحماية المستهلك إذا ارتفعت الأسعار بصورة مبالغ فيها، من خلال تشجيع الشركات الكبرى والتجار على استيراد زيت زيتون من مصادر متعددة وموثوقة، بأسعار معقولة، على أن يخضع للفحوص والرقابة اللازمة قبل طرحه في الأسواق. فإتاحة بدائل آمنة ومضمونة الجودة تساعد على الحد من استغلال حاجة المواطنين، وتمنح السوق قدرًا أكبر من التوازن دون الإضرار بالمزارع الأردني أو التقليل من قيمة إنتاجه. فالمواطن يستحق أن يثق بما يشتري، وأن يجد خيارات تناسب قدرته الشرائية، والمزارع يستحق عائدًا عادلًا، وزيت الزيتون الأردني يستحق أن يصل إلى الأسواق المحلية والخارجية حاملًا ثقة الناس وأصالة مصدره.

























































