اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
كتب صلاح سلام في اللواء
في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، جاء قرار رئيس الحكومة نواف سلام بتحييد البحث في مسألة إبعاد السفير الإيراني عن جلسة مجلس الوزراء أمس، كخطوة محسوبة بدقة، تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الانزلاق نحو انقسام حكومي في زمن لا يحتمل ترف الاشتباك الداخلي. لم يكن الأمر مجرد إجراء تقني لتفادي سجال عابر، بل كان تعبيراً واضحاً عن إرادة سياسية جامعة لاحتواء تداعيات قرار سيادي وديبلوماسي نادر، ومنع تحويله إلى مادة تفجير داخلي.
الأهم من ذلك، أن هذا القرار لم يكن معزولاً عن سياق أوسع من التنسيق بين الرؤساء الثلاثة، الذين نجحوا، ولو مرحلياً، في تطويق التداعيات السياسية والشعبية لهذه الخطوة. لقد أدركوا أن أي استثمار سياسي من قبل الأطراف المتضررة، وفي مقدمها حزب الله، كان سيؤدي إلى تعميق الشرخ الداخلي، وربما إلى شلل حكومي في لحظة مصيرية تتطلب أعلى درجات التماسك.
ما تحقق هو نموذج نادر في إدارة الأزمات اللبنانية: نقل الخلاف من العلن المتفجِّر إلى الغرف المغلقة، ومن لغة التحدي إلى منطق الاحتواء. وهذا بحد ذاته إنجاز في بلد اعتاد تحويل كل تباين إلى مواجهة مفتوحة. فبدلاً من الانجرار إلى سجالات مذهبية وفئوية، جرى كبح محاولات تضخيم القرار وإلباسه أثواباً طائفية، وهو ما كان سيخدم فقط أجندات التصعيد ويغذي مناخات التوتر.
غير أن هذا النجاح يبقى هشاً ما لم يُستكمل بمنهجية ثابتة في إدارة الخلافات. المطلوب اليوم ليس فقط إطفاء الحرائق عند اندلاعها، بل بناء آلية دائمة لتبريد السجالات قبل أن تتحول إلى أزمات. فلبنان، وهو في قلب عاصفة إقليمية مفتوحة، لا يملك ترف الانقسام، ولا قدرة على تحمُّل ارتدادات صراعات إضافية.
إن الرهان على الحكمة والتروّي يجب أن يتحول إلى قاعدة عمل، لا إلى استثناء ظرفي. فالتحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الاستمرار بهذا النهج، خصوصاً في ظل محاولات دؤوبة لإعادة شدّ العصب المذهبي واستثمار أي قرار سيادي في بازار الانقسامات. هنا، تقع المسؤولية على مجمل القوى السياسية، وليس فقط على السلطة التنفيذية، في رفض الانجرار وراء خطاب التحريض، وتغليب منطق الدولة على حساب المصالح الفئوية الضيقة.
في زمن الحرب، تصبح إدارة الخلافات مسألة أمن وطني بامتياز. وأي خلل في هذا التوازن قد يفتح الباب أمام انهيارات متتالية لا يمكن السيطرة عليها. من هنا، فإن ما جرى في جلسة مجلس الوزراء يجب أن يُبنى عليه كنموذج: تهدئة مدروسة، احتواء ذكي، وتقديم المصلحة الوطنية على كل ما عداها.
فإما أن ينجح اللبنانيون في تعميم هذا الأسلوب كنهج دائم، وإما أن يعودوا سريعاً إلى دوامة الانقسامات التي لم تجلب لهم سوى الخراب. الخيار واضح، لكن الإرادة السياسية تبقى هي الفيصل الأول والأخير.











































































