اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٩ أذار ٢٠٢٦
يومياً، يسأل اللبنانيون سؤالاً واحداً: متى تنتهي الحرب؟
لا يسألون متى بدأت ولا كيف اندلعت، فالأسباب معروفة، كما أن هذه الحرب ليست الأولى. والمفارقة أن الدولة اللبنانية، منذ عقود، لم تتخذ قرار خوض حرب. قصتنا مختلفة: قصة بلد تحوّل، بفعل سلاح خارج الدولة، إلى صندوق بريد إقليمي تُدار من خلاله رسائل الصراع، فيما نصب حزب الله نفسه بديلاً عن الدولة وربط لبنان بمصالح إيران وحروبها.
لكن العودة إلى السؤال الأساس تبقى ضرورية: متى تنتهي الحرب؟
التاريخ يعلّمنا أن موعد اندلاع الحروب غالباً ما يكون معروفاً، أو على الأقل مفهوماً في سياقه السياسي. أما نهاياتها فتبقى غامضة ومفتوحة على احتمالات كثيرة. فالحروب، كما تقول الأدبيات العسكرية، تبدأ بقرار سياسي لكنها تنتهي بميزان الميدان.
اليوم، ومع تصاعد المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران، لا تبدو نهاية الحرب قريبة. فالتصريحات الأميركية تتحدث صراحة عن غياب سقف زمني واضح، فيما يذهب الإسرائيلي أبعد من ذلك بالقول إن الحرب ستكون طويلة. والتجارب التاريخية، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، ومن حرب تموز في لبنان إلى حروب المنطقة المتكررة، تؤكد قاعدة بسيطة: ما يُعلن في السياسة قد يتبدل في الميدان، لكن الحروب حين تبدأ نادراً ما تنتهي سريعاً.
على مستوى الأهداف، رفع الأميركي والإسرائيلي سقف الحرب إلى حدّه الأقصى. فقد تمثلت الأهداف المعلنة في إسقاط النظام الإيراني، والمشاركة في رسم مرحلة ما بعد المرشد علي خامنئي، والقضاء على الجناح العسكري لحزب الله. غير أن الوقائع حتى الآن لا تشير إلى تحقق أي من هذه الأهداف. فإيران، بحسب المعطيات، حددت سلفاً خليفةً متشدداً للمرشد هو نجله، فيما لا تظهر مؤشرات جدية على انهيار النظام أو على نهاية حزب الله كقوة عسكرية، خصوصا ان الأخير وسّع المواجهة وصلت الصواريخ إلى حيفا وعبر الاسرائيليون عن عدم توقعهم استمرار هذه القدرة.
في المقابل، وضع الإيرانيون وحزب الله سقفاً أدنى بكثير للحرب. لم يتحدثوا عن إزالة إسرائيل، ولم يرفعوا سقف المواجهة إلى استهدافات تطال الاراضي مع الولايات المتحدة. عملياً، بات مجرد الاستمرار في إطلاق الصواريخ والمسيّرات من لبنان وإيران باتجاه إسرائيل ودول الخليج كافياً، في حساباتهم السياسية، للقول إن النظام الإيراني لم يسقط وأن الجناح العسكري لحزب الله لم ينتهِ. وعلى الرغم من تحديدهم الهدف بضرب القواعد الاميركية الا انهم راحوا لضرب المدنيين والمقيمين في الخليج والفنادق والأبراج التجارية والمطارات.
هنا تكمن جوهر المعادلة. فبالنسبة إلى إيران وحزب الله، مجرد الاستمرار في القتال ولو عشوائياً يمكن تسويقه سياسياً على أنه شكل من أشكال الانتصار، حتى لو كان الثمن تدمير البلدين واستنزاف شعبيهما. وأي تسوية لا تحقق هدف إسقاط النظام الإيراني ولا إنهاء الجناح العسكري للحزب يمكن تقديمها باعتبارها فشلاً للخصم.
هذه ليست معادلة جديدة. فقد سبق لحزب الله أن اعتبر نفسه منتصراً في حرب تموز عام 2006، رغم حجم الخسائر البشرية والدمار الهائل الذي أصاب لبنان. ففي ميزان السياسة، تُقاس النتائج أحياناً ببقاء اللاعب في الميدان، لا بحجم الخسائر التي تكبدها.
أما بالنسبة إلى الأميركيين والإسرائيليين، فالمعادلة مختلفة تماماً. انتصارهم لا يُقاس إلا بتحقيق الأهداف التي أعلنوا عنها. وأي نتيجة أقل من ذلك ستُفسَّر على أنها إخفاق في تحقيق أهداف الحرب، حتى لو تكبد الخصم خسائر فادحة.
في لبنان، تتعقد الصورة أكثر. فطالما أن حزب الله ربط معركته بمساندة إيران، فإن مصير الحرب في لبنان بات عملياً مرتبطاً بمصير الحرب في إيران. أي أن الجبهة اللبنانية ستبقى مفتوحة طالما بقي الصراع الأساسي مستمراً هناك.
في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية فك هذا الارتباط وفتح باب تفاوض مباشر مع إسرائيل، أملاً في تحييد لبنان عن هذه المواجهة الكبرى. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على تنفيذ قراراتها، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الدور العسكري لحزب الله. إلا أن الوقائع على الأرض تعكس صورة مختلفة. فجنوب الليطاني، الذي يفترض أنه خالٍ من السلاح غير الشرعي وفق خطة الحكومة، تحوّل مجدداً إلى مسرح حرب برية بين إسرائيل وحزب الله، ومنه انطلقت الصواريخ الأولى في هذه المواجهة.
وفي ظل العجز عن فرض هذه المعادلة، سيبقى لبنان عملياً مربوطاً بمصير إيران وبإيقاع الحرب الإقليمية.
لهذا، فإن قراءة الأهداف المعلنة للطرفين ومعادلات الربح والخسارة تكشف بوضوح أن الحرب مرشحة لأن تكون طويلة فالعقل الترامبي لا يتقبل أي مؤشر للخسارة اذ دفعت أميركا ميزانية ضخمة وحركت أساطيل وجيوش لأجل ذلك. وكلما طال أمد الحرب، ارتفع منسوب التصعيد واتسعت رقعتها. والمؤشرات الأولى بدأت تظهر بالفعل، مع انتقال إسرائيل تدريجياً إلى سياسة الإنزالات والعمليات الخاصة في لبنان.
وفي مثل هذه الحروب، نادراً ما يبقى الصراع ضمن حدوده الأولى. فالحرب التي تطول لا تبقى في مكانها… بل تبحث دائماً عن جبهات جديدة وربما تدخل الحرب دول جديدة.











































































