اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٤ أذار ٢٠٢٦
لا خلاص للبنان من دون إنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وتحول جذري للجماعة المسلحة
بعد أسبوع على إطلاق 'حزب الله' عدداً من الصواريخ على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، عاد لبنان مرة أخرى مسرحاً نشطاً لآلة القتل الإسرائيلية. في وقت كتابة هذه السطور، قُتل نحو 400 شخص بينهم أكثر من 80 طفلاً، وأصيب أكثر من ألف شخص، فيما نزح مئات الآلاف من جنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت إلى مناطق أكثر أمناً. وفي موازاة ذلك، تواصل إسرائيل إصدار تحذيرات لسكان مناطق جنوب نهر الليطاني والضاحية بإخلاء منازلهم، بينما يترافق القصف مع توغل أوسع للقوات الإسرائيلية في القرى الحدودية.
بالنسبة إلى اللبنانيين، تبدو هذه المشاهد تكراراً مأسوياً لما عاشوه في أواخر عام 2024. إلا أن الفارق هذه المرة أن 'حزب الله' يبدو أضعف بكثير مما كان عليه قبل عامين. لكن مأزق لبنان لا يختصر في ميزان القوى العسكري. فلبنان يجد نفسه اليوم بين معضلتين متزامنتين: اعتداءات إسرائيلية متواصلة من جهة، ووجود تنظيم مسلح يملك القدرة على جر البلاد بأكملها إلى مواجهة مدمرة من جهة أخرى. وبين هذين العاملين يقف المجتمع اللبناني، ولا سيما شيعة لبنان، أمام واقع شديد القسوة.
قد تقع المسؤولية الأكبر على عاتق 'حزب الله'، الذي قاد ما سُمي 'حرب الإسناد' وأدخل لبنان، والبيئة الشيعية تحديداً، في مواجهة كلفت المجتمع أثماناً باهظة. لكن الخروج من المأزق اليوم لا يمكن أن يقتصر على السعي إلى تقييد قدرة الحزب على اتخاذ قرارات أحادية، بل يتطلب أيضاً مواجهة واقع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان والتي تجاوزت كل الحدود المعقولة سياسياً وإنسانياً.
منذ نهاية الحرب الأهلية – وربما منذ 'انتفاضة 6 شباط' 1984 – لم يكن حضور الدولة اللبنانية في المناطق الشيعية ممكناً إلا عبر بوابة 'الثنائي الشيعي': 'حزب الله' و'حركة أمل' بزعامة رئيس مجلس النواب نبيه بري. ومع مرور الوقت تحولت هذه المعادلة إلى واقع سياسي واجتماعي راسخ يكاد يحتكر تمثيل الطائفة الشيعية بالكامل.
هذا الواقع أدخل المجتمع الشيعي في مسارين متوازيين من الإخفاق. فمن جهة، تبنى 'حزب الله' عقيدة دينية عسكرية ذات بعد إقليمي عميق، واستغل ظروف المنطقة للحفاظ على سلاحه وتوسيع أدواره العسكرية، ما جعل جزءاً كبيراً من المجتمع الشيعي وقوداً في صراعات إقليمية لم تكن دائماً في مصلحة لبنان. ومن جهة أخرى، انخرطت 'حركة أمل' في مؤسسات الدولة واقتطفت حصتها منها، لكنها لم توظف هذا النفوذ في تنمية المجتمع الذي تمثله بقدر ما تورطت في شبكات الزبائنية والفساد.
وهكذا نشأت نخبة سياسية شيعية أخفقت في قيادة مجتمعها نحو الاستقرار والازدهار ومنعت حضوراً فعلياً لمؤسسات الدولة في المجتمع، وبدلاً من ذلك انشغلت بتعزيز نفوذها أو ربط مجتمعها بأجندات إقليمية، فيما جرى في كثير من الأحيان تهميش أو قمع الأصوات المعارضة داخل الطائفة.
بهذا الواقع دخل لبنان والبيئة الشيعية تحديداً في 'حرب الإسناد' عام 2024، عندما طلب 'حزب الله'، غير مكترث بالآخرين، من مجتمعه الوثوق بخياراته. لكن النتائج كانت قاسية، إذ تكبد لبنان أثماناً بشرية واقتصادية كبيرة، وقعت بصورة خاصة على أبناء المناطق الشيعية.
كان من المفترض أن يشكل وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 فرصة لمراجعة داخلية جدية. غير أن هذه المراجعة لم تحصل فعلياً، ليس فقط بسبب طبيعة الحزب، بل أيضاً لأن وقف إطلاق النار نفسه لم يتحول إلى واقع مستقر. فمنذ توقيعه، استمرت إسرائيل في تنفيذ غارات شبه يومية وعمليات قتل مستهدفة، ما جعل الاتفاق عملياً حبراً على ورق. إذ من الصعب تخيل 'بيريسترويكا' حزبية في وقت تنفذ إسرائيل غارات وعمليات قتل مستهدفة بشكل شبه يومي ما تقول إنه عناصر حزبية أو مقرات، فيما هي في الكثير من الأحيان وسائل بناء أو مساكن موقتة أو أهداف مدنية.
في المقابل، لم تنجح الدولة اللبنانية في فرض أي ضغط دبلوماسي فعلي عبر الدول الضامنة للاتفاق، فبدا المشهد وكأن هناك طرفاً يفعل ما يشاء، وطرفاً آخر يتمسك بسلاح محدود الفعالية في مواجهة عدو متفوق تقنياً، فيما تقف الدولة عاجزة عن حماية سيادتها أو فرض احترام الاتفاقات. وقد أسهمت هذه المعادلة في تعميق الإحباط داخل المجتمع الشيعي، الذي وجد نفسه يدفع كلفة الصراع من دون أن يشعر بقدرته على التأثير في مساره أو التحكم في مصيره. مع الإشارة أن المجتمع الشيعي نفسه لم يُظهر دلائل كافية على امتعاض واسع من مغامرات 'حزب الله'، والدليل في نتائج انتخابات البلدية التي أجريت العام الماضي وأعادت إنتاج القوى ذاتها.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بالأخطاء لا يعني القبول بالرواية الإسرائيلية أو تبرير ما تقوم به إسرائيل من تدمير واسع النطاق. فاستهداف الضاحية الجنوبية أو القرى اللبنانية وقصف الأحياء السكنية لا يمكن اعتباره عقاباً مشروعاً لـ'حزب الله' أو لمن يؤيده. مثل هذا المنطق لا يبني وطناً ولا يفتح طريقاً للمستقبل.
إذ بينما يحلل المرء هذه الوقائع من الممكن أن يتناسى بسهولة أننا نتحدث في أغلب الأحيان عن أشخاص عاديين، مواطنين لبنانيين، من الجنوب أو البقاع أو الضاحية أو غيرها. جزء كبير منهم فقد مسكنه أو لا يقدر أن يعود إلى قريته في الجنوب. حياته بأكملها باتت فوضى وعدم يقين. تخيلوا فقط حجم 'وسادة الأمان' التي يجب على المرء أن يمتلكها للنجاة من الحروب المتكررة وغياب الضمانات من مؤسسات الدولة، من يملك هذه الرفاهية؟
هل تعتقد إسرائيل أن قصف البنايات وتهديم القرى وقتل المدنيين – في لبنان أو غزة – سيقضي على خصومها؟ أم أن هذه السياسة تكشف فقط عن منطق إجرامي لا يمكن أن ينتج في الضفة الأخرى إلا أناساً يملؤهم الحقد والغضب، وهو ما سيخلق عاجلاً أم آجلاً خصماً جديداً في حلقة دموية لا تنتهي.
المسألة المطروحة اليوم تتجاوز ثنائية الدفاع عن 'حزب الله' أو مهاجمته. إنها تتعلق بمستقبل لبنان نفسه، وبمستقبل الطائفة الشيعية داخله.
السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف يُهزم 'حزب الله'، بل كيف يمكن مساعدته على التحول من تنظيم ذي أجندة إقليمية إلى حزب سياسي يعمل ضمن الأجندة اللبنانية. فالحروب في المرحلة الراهنة لا يمكن حسمها بالصواريخ والبنادق وحدها، خصوصاً في بلد منهك اقتصادياً ومفكك سياسياً مثل لبنان.
غير أن هذا التحول لا يقع على عاتق الحزب وحده. فالبيئة الشيعية نفسها مطالبة بإعادة النظر في العلاقة التي ربطتها لعقود بهذه القوى السياسية. فالدعوة إلى عودة الدولة لا يمكن أن تنجح ما لم تقترن باعتراف واضح بأن الدولة كانت فعلياً ممنوعة من الترسخ في هذه المناطق إلا عبر قنوات يسيطر عليها 'الثنائي الشيعي'.
في المقابل، تتحمل الدولة اللبنانية مسؤولية لا تقل أهمية. فالفترة التي تلت وقف إطلاق النار لم تشهد جهداً جدياً لإعادة بناء الثقة مع سكان الجنوب والشيعة عموماً، وقد شعر الكثير من أبناء هذه المناطق بأنهم تُركوا لمصيرهم.
لهذا لا يمكن للدولة أن تبقى في موقع المتفرج. المطلوب سياسة خارجية أكثر فاعلية تضغط دبلوماسياً على إسرائيل وتحقق وقفاً للاعتداءات وانسحاباً كاملاً من الأراضي المحتلة، وسياسة داخلية تعيد دمج الجنوب والضاحية في الدولة فعلياً لا نظرياً.
الخروج من هذا المأزق لا يعني هزيمة 'حزب الله' ولا شيطنة البيئة الشيعية، بل إعادة دمج هذه القوة داخل الدولة اللبنانية نفسها. وهذا يتطلب شجاعة من الحزب، وضغطاً من المجتمع الشيعي، ودولة مستعدة أخيراً لاستعادة دورها.











































































