اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٥
خاص الهديل….
قهرمان مصطفى…
من الصعب التفكير في تاريخ لبنان الحديث من دون استحضار سوريا، كشعباً وروابط عائلية وجغرافية، حيث تراكمت على مدى عقود تجارب مشتركة من مقاومة الاحتلالات الأجنبية وصولاً إلى مواجهة هيمنة نظام الأسد، الذي حوّل شعار 'شعب واحد في بلدين' الذي أطلقه الأسد الأب إلى أداة للسيطرة والقمع، سواء عبر أجهزته الأمنية أو من خلال أذرعه. وعليه، فإن الذاكرة الجماعية في البلدين مثقلة بالاعتقالات والتغييب والاغتيالات التي نفّذها هذا النظام، في صورة مطابقة لما عاناه الشعب السوري نفسه على أرضه.
وللمفارقة، كان اللبنانيون يتطلعون مع خروج جيش النظام السوري من لبنان عام 2005 عقب اغتيال الشهيد رفيق الحريري إلى بزوغ عهد جديد من الحرية والسيادة، غير أن الثورة السورية التي اندلعت لاحقاً، وما رافقها من مجازر ودمار واعتقالات، أعادت إلى اللبنانيين شعور المشاركة في الحلم ذاته. ويمكن القول إن لحظة سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، شكّلت نقطة تحوّل كبرى ليس في دمشق وحدها، بل في بيروت أيضاً، خصوصاً مع انكفاء النفوذ الإيراني وبدء مسار استعادة الدولة اللبنانية قرارها المستقل، ولا سيما في ما يتصل بالحرب والسلم.
ومن هنا برزت الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقات بين البلدين على أسس جديدة. فالمفارقة أنّ التنسيق الأمني لم يتوقف يوماً، بينما بقي التواصل السياسي بارداً، مع أن النظامين الجديدين في لبنان وسوريا يواجهان تحديات متشابهة ويتطلّعان إلى أهداف متقاربة.
وفي هذا السياق، اكتسبت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة أمام وفد من الإعلاميين السوريين والعرب عن العلاقات اللبنانية السورية أهمية استثنائية، إذ دعا إلى قيام علاقة ندية وضمن الأطر الرسمية بين البلدين، واعتبر الشرع أن 'سوريا الجديدة' فرصة للبنان، مؤكداً في الوقت نفسه عدم السعي إلى الانتقام من 'حزب الله' رغم تورطه العميق في دماء السوريين. وهذه النبرة الإيجابية لاقت صدى في الموقف الأميركي الذي عبّر عنه الموفد توم براك خلال زيارته إلى بيروت، حيث شدّد على ضرورة طي صفحة الماضي والانطلاق نحو معالجة الملفات الموروثة بروحية بنّاءة.
يمكن القول إن المرحلة الجديدة تفرض جدول أعمال واسعاً بين بيروت ودمشق، يتقدّمه عدد من الملفات الحساسة التي تحتاج إلى معالجة جدّية بروحية مختلفة. وفي طليعة هذه الملفات يأتي الأمن والحدود، حيث إن التنسيق القائم لا يزال غير كافٍ في مواجهة التهريب المنظّم للسلاح والمواد، ما يجعل الترسيم مسألة استراتيجية ترتبط بالاستقرار السياسي والأمني معاً.
ويلي ذلك ملف الموقوفين والمحكومين، وهو من أكثر القضايا إلحاحاً نظراً لما خلّفه من مظالم إنسانية طالت لبنانيين وسوريين على حد سواء، الأمر الذي يستدعي سرعة في المحاكمات وتفاهمات قضائية واضحة. أما فيما يتعلق بملف اللاجئين فيبقى موضوعهم الأكثر حساسية بالنسبة للبنان، لما يشكله من عبء اقتصادي واجتماعي، فيما الحل المستدام لا يمكن أن يكون إلا عبر العودة الطوعية والآمنة، التي تُعدّ حاجة سورية بقدر ما هي مطلب لبناني.
وأخيراً، يبرز ملف أموال المودعين السوريين في المصارف اللبنانية، وهو ملف شديد التعقيد لتداخله مع شبهات غسل الأموال وارتباط بعض المودعين بالنظام السابق، ما يضعه في عهدة الرقابة الدولية والولايات المتحدة تحديداً.