اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٢ أب ٢٠٢٥
قضم الضفة الغربية ليس وليد اللحظة، بل هو خطّة إسرائيلية عمرها أكثر من ثلاثة عقود. بدايتها كانت مع توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 بين «منظمة التحرير الفلسطينية»، الممثل السياسي للشعب الفلسطيني حينها، وسلطة الاحتلال، والتي نصّت على اعتراف الطرفين ببعضهما بشكل رسمي وترسيم الحدود وانسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق ومدن معيّنة، وتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق مع احتفاظ إسرائيل بسيطرتها على الحدود الخارجية والقدس والمستوطنات، فيما مسؤولية الأمن الشامل تعود للإسرائيليين.
إلّا أنّ الاتفاقية لم تطبّق منذ اللحظة الأولى على توقيعها، فقد عمدت إسرائيل إلى قضم أراضي الضفة على مدى السنوات متذرّعة بإطلاق مصطلح «أراضي دولة» على المناطق التي تسيطر عليها، والمفارقة أنّ الحكومات التي ترأسها بنيامين نتنياهو كانت الأكثر قضمًا لأراضي الضفة. وتسيطر المستوطنات الإسرائيلية والبنى التابعة لها على مساحات واسعة من المنطقة «ج»، وهي منطقة تضمّ 87 في المئة من موارد الضفة الغربية الطبيعية و 90 في المئة من غاباتها و 49 في المئة من طرقها، وفق بعض التقارير.
الخطّة بلغت أوجها بعيد «طوفان الأقصى»، فقد ضاعفت إسرائيل نشاطها الاستيطاني في الضفة وأعلنت في تموز 2024 أكبر اقتطاع للأراضي منذ اتفاقية أوسلو، بعد ضمّها 12.7 كيلومترًا مربّعًا من منطقة الأغوار في الضفة، لتشييد وحدات سكنية. والأربعاء، أعلنت إسرائيل موافقتها النهائية على مشروع E1 الاستيطاني الذي كانت تخطّط له، رغم تجميده بسبب ضغوط أميركية خلال الإدارات السابقة.
المشروع من شأنه تقسيم المنطقة إلى شطرين بصورة فعلية، وإقامة حوالى 3400 وحدة سكنية في منطقة E1، وهي مساحة من الأرض بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، ما سيؤدّي حكمًا إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمَين، شمالي وجنوبي، وعزل منطقة القدس الشرقية عن بقية الضفة، الأمر الذي سيجعل من الصعب جدًا، إن لم يكن مستحيلًا، تشكيل دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
دول عديدة اعتبرت المشروع انتهاكًا للقانون الدولي ويهدّد حلّ الدولتين بشدّة، حتى أن وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وصفه بأنه سيُنهي فعليًا آمال قيام دولة فلسطينية. وفي حين قد يكون هذا الإجراء فرصة لتسريع اعترافات دولية بفلسطين، خصوصًا قبل اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول، هل يشكّل الضربة القاضية لإقامة الدولة الفلسطينية؟
من حيث البنية الجغرافية والسياسية، يمكن اعتبار مشروع E1 ضربة قاسية للدولة الفلسطينية المحتملة، فهو يفقدها أي ارتباط إقليمي فعلي، ويعرقل ربط الأجزاء الفلسطينية ببعضها البعض. وبالتالي، فإن المشروع خطوة مركزية في استراتيجيات التثبيت الاستيطاني والضمّ على الأرض. ومن المنظور الفلسطيني والدولي، فهو من أخطر التهديدات حتى الآن لإمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ربّما لا تكون الضربة القاضية النهائية لها، لكن من دون شك هي واحدة من أقوى الضربات المتعاقبة التي تمسّ جوهر فرضية الدولة الفلسطينية.