اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
كتبت حسناء سعادة:
رحل أحمد قعبور، لكن صوته لم يرحل.
بقيت أغنيته، وبقيت معها ذاكرة كاملة تختصر وجع الناس وأحلامهم، وتختصر معنى أن يكون الفن موقفاً.
منذ اللحظة الأولى، لم يكن قعبور فناناً عادياً، فحين غنّى “أناديكم” في منتصف السبعينيات من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، لم يكن يدرك أن هذه الأغنية ستتجاوز عمرها الزمني، وستصبح نشيداً حياً في وجدان أجيال متعاقبة. “أناديكم… وأشد على أياديكم وأبوس الارض تحت نعالكم وأقول أفديكم” لم تكن مجرد كلمات، بل كانت صرخة إنسانية مفتوحة، تنبض بالانتماء، وتُكتب بدمع المستمعين قبل أن تُحفظ في ذاكرتهم.
حتى محمود درويش، شاعر فلسطين الكبير، ظنّ يوماً أن قعبور فلسطيني الهوى والهوية، قبل أن يعرف أنه لبناني ما يعكس مدى انغماس هذا الفنان في قضية الإنسان، إلى حد تماهى فيه مع الأرض التي غنّى لها.
قعبور نفسه كان واعيا لهذه المفارقة حين قال: “لحّنتها وغنيّتها… وسبقتني”. نعم، بالفعل سبقته “أناديكم”، وسبقت زمنها وسبقت كل محاولات الغناء الملتزم التي جاءت بعدها.
هي الأغنية التي لا تُنافس، لأنها لا تُقاس بمعايير الفن فقط، بل بمعايير الصدق والانتماء للارض والهوية.
مسيرة قعبور لم تختصرها أغنية واحدة، مهما بلغت عظمتها، فعلى مدى أكثر من خمسة عقود، ظل صوته حاضراً في قضايا الناس، من “جنوبيون” إلى “نحنا الناس”، ومن “علوا البيارق” إلى “والله وطلعناهم برا”. غنّى للوطن، نعم، لكنه غنّى أيضاً للإنسان، للوجع اليومي، للذاكرة، للطفولة، لبيروت التي أحبها كما أحب فلسطين.
لم يكن فنه صراخاً، بل كان وجعاً هادئاً، يشبه البلاد التي ينتمي اليها بعكس وجع مرض السرطان الذي سرق حياته.
لم يساوم قعبور ولم ينفصل يوماً عن نبض الشارع، بل ظل مرآة له، حتى في أصعب اللحظات، حتى في زمن تحوّل الفن عند كثيرين إلى صناعة استهلاكية، بقي قعبور وفياً لفكرة أن الأغنية يمكن أن تكون موقفاً أخلاقياً ووجهاً للصمود.
رحل بالامس الفنان احمد قعبور عن ٧١ عاماً تاركاً خلفه إرثاً لا يُقاس بعدد الأغاني وهي كثيرة بل بعمق الأثر.
ترك إرثاً يتجاوز لبنان إلى كل مكان سُمعت فيه “أناديكم” وكل قلب خفق مع كلماتها وفي كل لحظة ترتعش فيها الحناجر مع كل استعادة للأغنية، وفي تلك الدموع التي تنساب من دون استئذان، وفي ذلك الإحساس العميق بأن الفن، حين يكون صادقاً، يصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية.
في عمر الـ ١٩ سنة غناها قعبور ولم يكن متمرساً لكن شهرتها لم تتوقف عند خطأ لفظي او نوتة شاذة بل تخطت كل العوائق وانسابت مرتاحة بين جمهور الوطن العربي بأكمله.
رحل أحمد قعبور… وبقيت “أناديكم”.











































































