اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٥
يقتحم الروائي نزار شقرون عوالم اللغة بجرأة في روايته «دم الثور»، محاولاً تحطيم قداسة الكلمات ليعيد تشكيلها بما يخدم الوجود والمعنى. في هذا الحوار معه، نغوص في عقل شقرون حيث يتحدث عن الكتابة بوصفها طقساً وجودياً وعن اللغة ككيان حي يتجاوز التوصيل ليصبح أداة لتشكيل العوالم. يناقش مفهوم «التخييل» وعلاقته بالتوثيق، ويُبرز كيف أن الأدب، في نظره، ليس مجرد استرجاع للأحداث، بل هو دعوة لإعادة التفكير في الموروث الثقافي ورؤيته من زوايا جديدة. ومع الروائي التونسي نزار شقرون أجريت هذا الحوار :
{ الحرف والكلمة واللغة تبدو في روايتك كيانات لها سلطة شبه مقدّسة. ما تصوّرك للكتابة؟ هل هي طقس؟ تعاويذ؟ أم فعل مقاومة؟
- تسعى اللغة في كتاباتي إلى تحطيم القداسة، بمعنى قبول الدخول في متاهة بناء كيان لغوي مختلف. إننا نقيم في اللغة، وهذا قول فلسفي عام، قد لا يوحي للوهلة الأولى بأنّ هذه الإقامة قلقة، فكثيرا ما يظن العوام أنّ شرط وجودهم متحقق بامتلاكهم للغة، أو بتلفظهم لها، في حين أنّهم يقيمون في «الكلام» فحسب، أي ببُعده التواصلي، بينما اللغة ليست مجرد أداة تواصل، فهي بارتباطها المتين بالوجود تؤسّس كل ما هو كائن. وحين أستخدم اللغة في منعرجات بناء عالم روائي فإنني أحمّلها بالضرورة هذا البُعد لتكون حالة هذا العالم، وهي من تقوم بعرض وجهات النظر السردية. قد أحاول تخليص اللغة من دورها في التسمية، لتحقق الشخصيات مثلا وجودها في اللغة وبها. وتأتي الكتابة كفعل وجود، لا أدري ما المعنى الذي كنت أحصّله دون كتابة؟! وضمنيا أيّ معنى للحياة دون قراءة؟ لم أعش يوما خارج هذين القطبين، لذلك قد يعني اختفاؤهما في حياتي حدثا مأسويا! أكتب لأحيا، لأتلمّس تُخوم المعنى. لا شك أن الكتابة نشاط استثنائي، ولكنه في حياتي شرط وجود، لذلك لا أهتم كثيرا بأثر الكتابة قدر ما تهمّني الكتابة نفسها، ذلك أنّ الفعل دائما أسمى من النتيجة. وللكتابة حتما طقوس، ولكنني أفضّل أن تتنصّل منها، حتى لا تنتج الكتابة بدورها مقدّسا جديدا، ثمّة قدرة على الانتهاك في داخل أي كتابة مقاومة، وقد عاشت الكتابة مظاهر كثيرة في ترويض هذه القدرة، فتقييد الكتابة هو نفسه من مظاهر ذلك الترويض، ولربما التدوين أفضل مثال على ذلك. من يستطيع اليوم أن يعيد التفكير في عصر التدوين نفسه باعتباره مظهرا من مظاهر الإجهاز على تلك القدرة؟ نحن ننظر إليه باعتباره نقلة إيجابية من المشافهة، ولكننا نتغاضى عن كلّ تلك الحمولة الإيديولوجية التي خضعت لها عمليات التدوين. وحين أبني الشخصيات أتساءل دائما: من المتكلّم؟ هناك سعي لتركيب الأصوات خارج الصوت الواحد، من أجل بوليفونية، تعبّر عن تعددية العالم، حتى وإن كان الراوي يتكلم بضميره. ثمّ لا ننسى أن الرواية لها وقع أو نفس، فالمتواليات السردية تسير وفق ذلك النفس، هو نفَس الكتابة، وقد يُجبر القارئ على السير على ذلك الوقع دون الاكتفاء بالإنصات.
{ كيف تعاملت مع التوثيق مقابل الخيال؟ هل استندت إلى مصادر حقيقية حول «المخطوط المفقود» أم أن كل ذلك صيغ بمنطق الأسطورة الروائية؟
- قبل التخييل يحتاج الكاتب إلى إجراء حفرياته في المعرفة، تلك طريقتي على الأقلّ، وبحسب الأدوات والخلفية المعرفية الشمولية، يكون الحفر في طبقات تلك المعرفة. أُشدّد على معنى «الشمولية» أولا، لأنني أؤمن بنوافذ المعرفة، فلا تأتي الرواية من الأدب، وإنما من جماعها مع فنون أخرى كالتشكيل والسينما والمسرح والموسيقى، ذلك أنّ هذه النوافذ تفتح أفق العمل الروائي، ولا أخفي أنّ افتقار هذا العمل للرافعة الفلسفية سيؤدي إلى ضياعه عبر التاريخ. قبل التخييل، يحلّ التفكير، ولكن هل يمكن لأي باحث في أي مجال معرفي أن يُقصي « التخييل»؟ كلاّ! في روايتي «دم الثور، الباب المفقود من كليلة ودمنة» عدت إلى فكر ابن المقفع ودرست من جديد مؤلفاته وعلى رأسها «كليلة ودمنة»، وقد سبق لي أن درّسته في المنهاج المدرسي أيضا، وبعد مراجعات كثيرة اهتديت إلى فكرة اختلاق «باب مفقود»! وضعت هذه الفرضية مثلما يضع عالم «فرضياته» بعد ملاحظات وتجارب، وهذا العالم يحتاج حقا إلى جانب تجاربه الحسية إلى «تخييل»، فكل فرضية تقوم على «واقع» ولكنها متداخلة بالخيال. وجدت أنّ كتاب «كليلة ودمنة» الذي نتعامل معه باعتباره «النسخة» المطابقة للمخطوط الأصلي لابن المقفع، لا يعكس تفكير ابن المقفع نفسه، فكيف لهذا المثقف المؤمن بالعقل والعدل أن يكتفي في «باب الفحص عن أمر دمنة» بمحاكمة «النمام» وتبرئة القاتل الحقيقي للثور. افترضت نقصان الكتاب المتداول بيننا، خاصة بعد أن جمعتُ عناصر «بحثية» تدعم هذه الفرضية، ومنها التشكيك في المخطوط، بعد غيابه لقرون عن التداول، وتعارض تصوّر نهاية القصة الإطارية للأسد والثور مع فكر ابن المقفع. قادتني هذه الفرضية إلى بناء العالم الروائي، طبعا سيتداخل الواقع بالخيال، ولم ارتبط في ذلك بفكرة المرجع التاريخيّ، وإن اتّكأت على مرجعية الكتاب نفسه، لا أخفي أنني تعلّلت بهذا الكتاب لأنقد كل العمليات التداولية التي عاشها تاريخنا الثقافي العربي، بالتشكيك فيما وصلنا من نتاج «مكتوب» والدعوة إلى مراجعة دور «الناسخين» والسلطة السياسية التي كانت تُسيّج النشاط الفكري والأدبي. حاولت وضع المسلمات على المحكّ. وقد يوضع هذا العمل في صيغة «أسطورة روائية»، هذا شأن النقاد حتما، ولكنّ شرف هذه الخلخلة التي قمت بها أنها تفتح ذهن القارئ على قراءات جديدة لتاريخه الثقافي خارج منطق الانصياع لمبدأ الطاعة وسلطة أهل الماضي.
{ اللغة في الرواية تتحرك بين التقريري والتأمّلي بين الصحفي والشاعري وبين اليومي والتاريخي. هل ترى أن هذه الإزدواجية تعكس بنية الشخصية الباحثة، أم انك استخدمتها عمدا لكسر نمطية السرد؟
- تحدثت عن البوليفونية، وهذا يجرّ اللغة لتكون متعدّدة في منابتها، وإذا كان المعنى منثورا في النص مثل البذور، فإن هذا النثر يتخذ طريقة نسج الخيوط ذات الألوان المختلفة ليكون النص «منسوجة» تتطلب حياكة سلسلة من الخطابات، بحسب المقامات. تأتي اللغة في تعددها ضمن مستويات الخطاب، رافضة للسرد الأحاديّ، ولذلك تكتسي صبغة حوارية، وما يهمني أكثر في كتابتي هو أن أعبّر في دهاليزها عن «الشعر» دون أن تكون لغة الرواية شعرا، فهذا العالم مجبول على حياة النثر رغم انه من طينة الشعر، فحالة الخلق الاولى حالة شعرية بامتياز سريعا ما انتهت إلى وضع نثري! ثمّ إنّ التنوّع اللغوي دليل على وجود أصوات مختلفة للشخصيات، ورغم أني أحاول «تعرية النخبة» التي قد تشترك في خيباتها، فإن لها أصوات، قد تكون المآلات مشتركة ولكن الشخصيات متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ويبدو من المهم القول بأن الشخصيات تساهم في تخطّي الوضع.