اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الأول ٢٠٢٥
كتب غسان ريفي في سفير الشمال
عندما إقترح قائد الجيش العماد رودولف هيكل على طاولة مجلس الوزراء تجميد خطة حصرية السلاح إلى حين إنتهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الإعتداءات، لم يكن هذا الإقتراح إنطلاقا من موقف سياسي، بل كان موقفا وطنيا ميدانيا نابعا من العرقلة الاسرائيلية لخطة الجيش الذي وبحسب عقيدته الوطنية لا يستطيع الإنتشار في المناطق المحتلة من دون مواجهة الإحتلال، وإلا تحول الأمر إلى تطبيع مقنع، ما يعني أن إنتقال الحكومة إلى المرحلة الثانية من دون حصول الإنسحاب الكامل هو إعتراف رسمي بالإحتلال ومنحه شرعية وهذا ما يريده العدو الصهيوني.
بالأمس، فتح كلام أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم باب النقاش واسعا حول دور الدولة اللبنانية وحدود دبلوماسيتها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. فحين يقول: “لا تطلبوا منا شيئاً بعد الآن، وليس مطلوباً من الدولة أن تكون شرطياً عند إسرائيل ولا أن تكون بلا سيادة”، فهو يقدّم موقفاً سياسياً يتجاوز الخطاب التقليدي، ليطرح سؤالاً مباشراً حول وظيفة الدولة في هذه المرحلة الحساسة.
هذا الكلام لا يمكن عزله عن الواقع القائم، ولا عن أداء الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام، التي رفعت منذ تشكيلها شعار الاعتماد على الدبلوماسية والقانون الدولي كمسار أساسي لمعالجة التوترات، خصوصاً على الجبهة الجنوبية.
وضعت الحكومة ما يمكن تسميته “المرحلة الأولى” من مقاربتها على أسس واضحة أبرزها: السعي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، تأمين الانسحاب من الأراضي المحتلة، والعمل على إطلاق الأسرى. غير أن هذه الأهداف، رغم الجهود الدبلوماسية المعلنة، لم تتحقق. فالخروقات ما تزال قائمة، والاعتداءات مستمرة، فيما لم تُسجَّل أية إختراقات إيجابية حاسمة على هذا الصعيد.
من هنا، يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون في الداخل اللبناني: كيف يمكن الحديث عن الانتقال إلى مرحلة ثانية في ظل عدم اكتمال شروط المرحلة الأولى؟ وهل يعكس ذلك استعجالاً سياسياً أم قراءة واقعية لميزان القوى والضغوط الدولية، أم مزيد من التنازلات اللبنانية؟.
في المقابل، يمكن قراءة كلام الشيخ نعيم قاسم على أنه تعبير عن قلق من تحوّل الدولة إلى طرف يُطلب منه ضبط الداخل أكثر مما يُطلب من المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل. فالتشديد على أن الدولة ليست “شرطياً عند إسرائيل” يحمل بعداً سيادياً، ويعكس رفضاً لتحميل لبنان مسؤوليات لا تتناسب مع حجم الاعتداءات التي يتعرض لها.
وفي هذا السياق، لا يبدو الخطاب موجهاً ضد فكرة الدولة بحد ذاتها، بل ضد اختزال دورها في إدارة تداعيات الأزمة من دون امتلاك أدوات فعلية لمعالجتها أو لمواجهتها.
توحي حكومة نواف سلام أنها تسير على خط رفيع بين الواقعية السياسية والحفاظ على الحد الأدنى من السيادة، غير أن هذا التوازن يبدو هشّاً في ظل غياب نتائج ملموسة للدبلوماسية. فكلما طال أمد الاعتداءات من دون أفق واضح، تراجعت قدرة الخطاب الرسمي على إقناع الرأي العام بأن المسار المعتمد لا يشكل تنازلاً تدريجياً عن الثوابت.
في هذا الإطار، يصبح التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس في الإعلان عن مراحل جديدة، بل في تعزيز ثقة اللبنانيين بأن الدبلوماسية قادرة على تحقيق الأهداف اللبنانية لجهة ربط إنهاء المرحلة الأولى بالإنسحاب الإسرائيلي.
بين خطاب الشيخ نعيم قاسم الذي يرفع سقف النقاش حول دور السلطة في تحقيق السيادة الحقيقية، وأداء حكومي فشل حتى الآن في تنفيذ بنود البيان الوزاري لا سيما ما يتعلق بالملف الإسرائيلي، يقف لبنان أمام معادلة دقيقة، فالدبلوماسية تبقى خياراً ضرورياً، لكنها تصبح موضع تشكيك حين لا تقترن بإنجازات واضحة.
وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح الحكومة في تحويل دبلوماسيتها إلى أداة فعلية لحماية لبنان والضغط على المجتمع الدولي لتحقيق الإنسحاب الإسرائيلي، أم أن استمرار الواقع الحالي سيؤكد فشلها ما يجعل منطق السيادة الذي قدمه الشيخ
نعيم قاسم أكثر حضوراً من أي وقت مضى؟..











































































