اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة جراسا الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
عبد الرحمن الأمعري - لم يعد الحديث عن المنتخب الوطني الأردني مجرد حديث عن فريق يبحث عن التأهل أو عن إنجاز عابر يُضاف إلى سجله. النشامى وصلوا إلى مرحلة مختلفة تماماً؛ مرحلة أصبح فيها بلوغ كأس العالم محطة مهمة في التاريخ، لكنها ليست نهاية الطموح، بعدما ارتفع سقف التوقعات لدى الشارع الأردني من مجرد صناعة الإنجاز إلى المنافسة على الألقاب.
ومن هنا تأتي أهمية المرحلة التي يقودها المدرب المغربي بادو الزاكي، الذي تسلّم منتخباً لم يعد مشروعاً قيد التكوين، بل فريقاً فرض نفسه على خريطة الكرة الآسيوية، وبلغ نهائي كأس آسيا، ووصافة كأس العرب، ونجح في الوصول إلى كأس العالم.
عدنان حمد.. رجل وضع الأساس
عند قراءة رحلة النشامى خلال السنوات الماضية، لا يمكن تجاوز اسم المدرب الوطني عدنان حمد، الذي كان أحد أبرز المهندسين لبناء شخصية المنتخب وترسيخ هويته في مرحلة مفصلية من تاريخ الكرة الأردنية.
حمد لم يكن مجرد مدرب مرّ على المنتخب، بل كان جزءاً أساسياً من عملية بناء فريق يمتلك شخصية واضحة، ويعرف كيف ينافس، وكيف يتعامل مع المباريات الكبيرة، وكيف يحافظ على حضوره أمام منتخبات أقوى على الورق.
وهذه الحقيقة لا تنتقص من أي إنجاز تحقق لاحقاً، بل على العكس؛ فالنجاحات الكبرى غالباً ما تُبنى فوق أسس وضعها رجال سبقوا مرحلة التتويج بالإنجاز.
عموتة والسلامي.. البناء يتحول إلى إنجاز
عندما جاء حسين عموتة، وجد أمامه منتخباً يمتلك قاعدة قوية وشخصية تنافسية، فنجح في استثمارها والوصول بها إلى نهائي كأس آسيا، ليكتب واحدة من أهم صفحات الكرة الأردنية.
ثم جاء جمال السلامي ليواصل الطريق في مرحلة أكثر صعوبة، فكان العنوان الأبرز هو التأهل التاريخي إلى كأس العالم، إلى جانب الوصول إلى وصافة كأس العرب.
وهنا يجب أن تُقرأ الصورة كاملة؛ فهذه الإنجازات لم تولد من فراغ، ولم تكن نتاج مدرب واحد أو مرحلة واحدة، وإنما جاءت نتيجة عمل فني متواصل، استفاد فيه عموتة والسلامي من منتخب تم بناؤه وترسيخ شخصيته في مراحل سابقة، وكان عدنان حمد أحد أبرز الذين أسهموا في وضع أساساته.
بادو الزاكي.. مدرب يدخل مرحلة مختلفة
اليوم، يدخل بادو الزاكي إلى المشهد في توقيت مختلف تماماً.
فلم يعد المطلوب من المنتخب أن يثبت أنه قادر على المنافسة، فقد أثبت ذلك بالفعل. ولم تعد المشاركة في كأس العالم سقفاً للطموح، بعدما أصبح المنتخب الأردني صاحب حضور آسيوي وعربي لافت.
الزاكي أمام جيل اعتاد الإنجاز، وجمهور تغيّر سقف طموحه، واتحاد كرة مطالب بأن ينظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مشروعاً فنياً متكاملاً، لا مجرد تغيير مدرب بمدرب.
سوريا وفنزويلا.. لا استعجال في الحكم
المباراتان أمام سوريا وفنزويلا لا تكفيان لإصدار حكم نهائي على تجربة بادو الزاكي، خصوصاً أن المنتخب السوري ظهر بتشكيل جديد إلى حد كبير، فيما خاضت فنزويلا المباراة بالمنتخب الرديف.
لكن المباريات، حتى عندما لا تكون اختباراً كاملاً، تترك مؤشرات فنية تستحق القراءة.
ومن أبرز ما ظهر مجدداً غياب اللمسة الأخيرة والحاجة إلى حلول أكثر فاعلية أمام المرمى. كما أن غياب يزن النعيمات ما زال حاضراً في المشهد الهجومي، ليس باعتباره عذراً دائماً، وإنما باعتباره مؤشراً على ضرورة امتلاك المنتخب خيارات هجومية قادرة على تعويض أي غياب مؤثر.
فالمنتخبات الكبيرة لا تتوقف على لاعب واحد، لكنها في الوقت ذاته تعرف قيمة اللاعب الذي يصنع الفارق.
الطموح الأردني تغيّر
هذه ربما هي النقطة الأهم في المرحلة الجديدة.
قبل سنوات، كان الوصول إلى كأس آسيا إنجازاً مهماً، ثم أصبح بلوغ أدوارها المتقدمة هدفاً، وبعد ذلك جاء التأهل إلى نهائي البطولة القارية، ثم وصافة كأس العرب، وصولاً إلى الحلم الأكبر: كأس العالم.
اليوم لم يعد الشارع الأردني يريد الاحتفال بمجرد الوصول.
المونديال تحقق، والآن يبدأ سقف جديد من الطموح.
كأس آسيا أصبحت الحلم القادم.
وهذا لا يعني التقليل من قيمة التأهل إلى كأس العالم، بل يعني أن الإنجاز عندما يتحقق يرفع سقف التحدي، ويجعل المنتخب مطالباً بالبحث عن إنجاز أكبر.
المدرسة الأوروبية.. خيار يستحق الدراسة
ومن هنا تبرز ضرورة التفكير بهدوء في هوية المرحلة الفنية المقبلة، بعيداً عن فكرة أن جنسية المدرب هي التي تصنع النجاح.
المدرسة المغربية قدمت الكثير للكرة الأردنية، وعموتة والسلامي حققا إنجازات تاريخية، لكن كرة القدم الحديثة لا تتوقف عند مدرسة واحدة.
التجارب الخليجية الأخيرة تستحق الدراسة أيضاً، خصوصاً ما ظهر في منتخبي السعودية والإمارات، والتطور الذي شهدته المنافسات الخليجية، مع الانفتاح على مدارس تدريبية عالمية، ومن بينها المدرسة الأوروبية.
الاستفادة من المدرسة الأوروبية لا تعني إلغاء المدرسة العربية أو المغربية، وإنما تعني فتح الباب أمام أفكار مختلفة في التنظيم التكتيكي، والعلوم الرياضية، والتحليل الفني، والجانب البدني، وإدارة التفاصيل الصغيرة التي أصبحت تصنع الفارق في كرة القدم الحديثة.
المعيار الحقيقي يجب أن يكون المشروع والكفاءة والقدرة على التطوير، لا جنسية المدرب.
المونديال ليس النهاية.. بل بداية مرحلة جديدة
المنتخب الأردني اليوم يملك فرصة تاريخية لبناء مرحلة أكثر طموحاً.
التأهل إلى كأس العالم يجب أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو مشروع طويل الأمد، يبدأ من المنتخب الأول ولا ينتهي عنده، ويربط الفئات العمرية بالمنتخب الوطني، ويعزز العمل في تحليل الأداء، والإعداد البدني، واكتشاف المواهب، وتطوير المسابقات المحلية، والاستفادة من التجارب العالمية.
فالمنتخب الذي يريد أن ينافس على كأس آسيا لا يمكن أن يعتمد على ردود الفعل، ولا على الحماس وحده، وإنما يحتاج إلى منظومة تعرف ماذا تريد وإلى أين تتجه.
الزاكي أمام إرث كبير.. وطموح أكبر
بادو الزاكي لا يبدأ من الصفر، وهذه نقطة قوة وليست عبئاً.
أمامه منتخب وصل إلى نهائي كأس آسيا، ووصافة كأس العرب، وبلغ كأس العالم، وخلفه تاريخ من العمل ساهم في صناعة شخصيته، وفي مقدمة ذلك الدور الذي لعبه عدنان حمد في مرحلة التأسيس والبناء.
المطلوب اليوم ليس هدم ما سبق، وإنما إضافة جديدة إلى هذا المسار.
أن يحافظ المنتخب على شخصيته، ويطور أدواته، ويجد الحلول الهجومية، ويصبح أكثر قدرة على التعامل مع المباريات الكبرى، وأن يتحول الوصول إلى المونديال من حلم بعيد إلى قاعدة انطلاق نحو إنجازات أكبر.
النشامى اليوم ليسوا منتخباً يبحث عن الاعتراف، بل منتخباً أصبح يملك الحق في أن يرفع سقف أحلامه.
من عدنان حمد، إلى عموتة، إلى السلامي، وصولاً إلى بادو الزاكي، تتغير الأسماء، لكن يبقى الهدف واحداً: أن يصبح المنتخب الأردني رقماً صعباً في آسيا، وأن يكون المونديال بداية الطريق لا نهايته.
فالمونديال إنجاز تاريخي.. أما الحلم الجديد، فهو أن يعود النشامى من آسيا وهم يحملون اللقب.












































