اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
حين يرقص وزير إسرائيلي في باحات المسجد الأقصى، ثم يظهر قبلها بيوم مهدداً أسيراً فلسطينياً بالقتل والإعدام، فإن المشهد يتجاوز حدود الاستفزاز الفردي أو السلوك السياسي المنفلت؛ نحن أمام لغة واحدة تتبدل أدواتها ولا تتبدل غايتها: فرض القوة على المقدس، وعلى الإنسان، وعلى الذاكرة.
في المسجد الأقصى، تتحول الاقتحامات تدريجياً إلى طقس سياسي لإعادة تعريف السيادة بالقوة؛ طقوس ورقص وغناء واقتحامات يقودها مسؤولون صهاينة تحت حماية الشرطة، بالتزامن مع خطاب معلن عن امتلاك المكان، وفي الزنزانة، ينتقل المشهد من استعراض المكان إلى استعراض السلطة، حيث يقتحم بن غفير زنزانة الأسير حسن سلامة، ويوجه إليه تهديداً مباشراً بالقتل والإعدام، ثم يعلن توجهه نحو الدفع بعقوبة الإعدام للأسرى إذا تولى حقيبة الدفاع.
بين رقصة في باحات الأقصى وتهديد داخل الزنزانة، تتكشف هندسة الاستفزاز السياسي، صناعة مشاهد صادمة، وتحويل المقدسات والأسرى إلى منصات لعرض القوة، وإنتاج رسائل تتجاوز الجمهور الإسرائيلي إلى الفلسطينيين والعرب والعالم.
فماذا يريد بن غفير أن يقول من الأقصى؟ ولماذا يتقاطع خطاب السيادة على المسجد مع خطاب العقاب داخل السجون؟ وهل نحن أمام استفزازات منفصلة، أم أمام مشروع متكامل لإعادة رسم حدود القوة والردع والوجود؟
من الاقتحام إلى الرقص.. حين يتحول الأقصى إلى مسرح لإنتاج السيادة
لم يعد الاقتحام وحده هو الرسالة، فحين يدخل المستوطنون إلى المسجد الأقصى محاطين بالحماية، ثم ترتفع أصوات الغناء والتصفيق وتتحول باحاته إلى فضاء للرقص والاستعراض، فإن المشهد ينتقل من انتهاك المكان إلى إعادة إخراج المكان سياسياً.
ما جرى اليوم، مع اقتحام أعداد كبيرة من المستوطنين وأداء طقوس جماعية داخل المسجد، يكشف عن محاولة نقل الفعل من هامش الاقتحام إلى مركز المشهد البصري والسيادي.
هنا تظهر «هندسة الاعتياد المقدّس»؛ أي تكرار المشهد الاستثنائي حتى يفقد استثنائيته، فيتحول الاقتحام إلى عادة، والرقص إلى صورة مألوفة، والحماية المسلحة إلى خلفية طبيعية للمشهد.
المسألة، إذن، فيما تريد الصورة أن تقوله عن صاحب المكان: من يملك القدرة على الدخول والاستعراض والحماية، يقدّم نفسه بوصفه صاحب اليد العليا، ولذلك يصبح الأقصى في هذه المعادلة مسرحاً بصرياً للسيادة المفترضة، لا مجرد ساحة للاقتحام.
«نحن أصحاب المكان».. هندسة الخطاب بين الأقصى والسجون
الأكثر خطورة في المشهد أن لغة بن غفير لا تفصل بين المسجد والسجن؛ فكلاهما يظهر في خطابه باعتباره مساحة قابلة لإعادة تعريفها بالقوة. في الأقصى تتقدم فكرة السيطرة على المكان، وفي السجن تتقدم فكرة السيطرة على الجسد والمصير، وبينهما تتشكل معادلة سياسية «سياسة القبضة الواحدة»: يدٌ على المكان، ويدٌ على الأسير.
وهنا تكمن خطورة الخطاب؛ لأنه يسعى إلى إعادة صياغة مفهومه: القوة تصبح دليلاً على الملكية، والحماية المسلحة تصبح أداة لإنتاج السيادة، والسجن يصبح مختبراً لإثبات القدرة على التحكم بمصير الإنسان.
إنها «سيادة المشهد»؛ حيث لا يكفي أن تسيطر السلطة، إنما تريد أن تُرى وهي تسيطر.
حسن سلامة.. عندما يتحول الأسير إلى منصة لاستعراض السلطة
حين يدخل وزير صهيوني زنزانة أسير فلسطيني، ويوجه إليه أمام الكاميرا تهديداً بالقتل والإعدام، ثم يختار نشر التسجيل سياسياً، فإن حسن سلامة يتحول إلى منصة رسائل أراد بن غفير أن يخاطب عبرها جمهوراً أوسع من جدران السجن، وقد نشر بن غفير بالفعل تسجيلاً ظهر فيه مهدداً سلامة بالقتل والإعدام، وربط ذلك بتعهده بالدفع نحو تنفيذ أحكام الإعدام بحق أسرى فلسطينيين إذا وصل إلى منصب وزير الدفاع.
هنا يمكن قراءة المشهد باعتباره «مسرحة العقوبة»؛ أي تحويل التهديد بالعقاب من إجراء داخل مؤسسة السجن إلى عرض سياسي أمام الجمهور، فالرسالة لا تتجه إلى الأسير وحده، وإنما إلى الحركة الأسيرة وعائلات الأسرى والشارع الإسرائيلي في آن واحد.
واللافت أن توقيت نشر الفيديو يأتي مع احتدام المنافسة السياسية الإسرائيلية قبيل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، فيما أقر الكنيست في مارس قانوناً يتعلق بعقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين.
وهكذا تصبح الزنزانة منصة انتخابية مغلقة، ويصبح الأسير جزءاً من خطاب سياسي مفتوح.
بين قدسية الأقصى وحرمة الأسير.. إلى أين يقود هذا التصعيد؟
المشهدان، رغم اختلاف المكان، يلتقيان عند نقطة واحدة: تطبيع الاستثناء؛ فاقتحام الأقصى يتحول إلى ممارسة متكررة، والاستعراض داخله يُقدَّم باعتباره فعلاً سياسياً، وتهديد الأسير بالقتل ينتقل من لغة التحريض إلى صورة موثقة تُنشر أمام الجمهور، والخطر هنا أن تتراجع الحدود الفاصلة بين ما كان يُعد استفزازاً استثنائياً وبين ما يجري تقديمه تدريجياً كواقع جديد.
وقد حذرت الأردن اليوم من محاولات فرض تقسيم زماني ومكاني في المسجد الأقصى، وأكدت رفضها للاقتحام، فيما صدرت مواقف عربية وإسلامية رافضة للتصعيد.
لكن «سياسة البيانات» وحدها تواجه اختباراً حقيقياً أمام سياسة صناعة الوقائع، فالمطلوب إبقاء قضية الأقصى والأسرى في صدارة الفعل الدبلوماسي والقانوني، ومساءلة المسؤولين عن التحريض والتهديد، ومنع تحويل المقدسات والسجون إلى مختبرات مفتوحة لفرض قواعد جديدة.
فحين تُختبر قدسية المكان بجرأة الاقتحام، وتُختبر حرمة الأسير بعلنية التهديد، يصبح الصمت الدولي جزءاً من «اقتصاد الإفلات» الذي يسمح للمشهد التالي بأن يكون أكثر جرأة من سابقه.
في الختام.. ليست رقصة بن غفير في الأقصى مشهداً عابراً، كما أن تهديده حسن سلامة ليس انفلاتاً لفظياً؛ إنهما وجهان لسياسة واحدة: كسر المحرّمات، وتطبيع الاستفزاز، وتحويل القوة إلى لغة لإعادة تعريف المكان والإنسان.
الأقصى ليس خشبةً لاستعراض السيادة، والأسير ليس جسداً معلقاً على جدار الانتقام، وبين قدسية المسجد وحرمة الإنسان، يُختبر اليوم ما إذا كان العالم سيكتفي بتوثيق الانتهاك، أم سيتحرك لمنع تحوّل الاستفزاز إلى قاعدة، والتهديد إلى إجراء، والاقتحام إلى سيادة مفروضة بالأمر الواقع.
فحين يرقص بن غفير في الأقصى ويهدد أسيراً بالموت، فهو لا يستعرض قوته فحسب؛ هو يختبر حدود صمتنا...

























































