اخبار سوريا
موقع كل يوم -سناك سوري
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
كانت القاعة الباردة تجعلنا نقترب من بعضنا البعض بحميمية بالغة، تجعل من يرانا يتأكد بأن روابط السوريين المتينة أعمق بكثير من كم الخطابات التحريضية على السوشيل ميديا، في الحقيقة كلنا كنا 'بردانين' لكنها الحالة الطبيعية بالنسبة لنا نحن المواطنين العاديين، بخلاف المسؤولين الذين اعتادوا الدفء وشجبوا برد القاعة بكل اقتدار!
صعد إلى المنصة، بدلة رسمية غاية في الأناقة، لطالما كرهت البدل الرسمية، بقدر حبي للقميص الأبيض فيها، لا أعلم ربما كان يوحي إليّ بأنه مهما اشتد جبروت من يرتديها 'بحكم التجربة طبعاً'، فإن في داخله انعكاس ولو بسيط من هذا الأبيض، غالباً كان يخيب ظني دائماً.
المسؤول ذاك، وقبل أن يبدأ خطابه الذي بطبيعة الحال يجب أن يكون 'مهماً، تاريخياً، يحمل قيمة من نوع ما'، قرر أن يمازحنا ويمرر رسالة عتب لمدير المكان التابع لإحدى المؤسسات العامة، قال إنه سبق وأن طلب إليه أن يصلح المولدة وبأنه جاهز لتقديم الدعم المالي اللازم، ولو أن المدير استجاب فوراً حينها لما كان المسؤول اليوم قد شعر بكل هذا البرد داخل القاعة، مقدماً اعتذاره من الحاضرين والحاضرات على البرد!
وددتُ لو أنهض وأخبره: ألا يعتذر، أرجوك لا تعتذر عن حدث نعيشه يومياً مع أبنائنا في منازلنا، لدرجة أن اعتذاره بحد ذاته نوع من السخرية على واقعنا الذي نعيشه والذي أدركت أن المسؤول في 'الدولة الجديدة' منفصل عنه أيضاً.
تخيلت لو أنه تابع خطابه بنفس الروح، فاعتذر لنا أيضاً عن أسعار الطعام التي جعلت وجباتنا تختصر على ما يسد الرمق لا ما يسد الرغبة.
وددت لو قال لنا: «أعتذر لأن ربطة الخبز باتت مشروعاً يومياً يحتاج إلى تخطيط استراتيجي، وأعتذر لأن البيض أصبح ضيفاً موسمياً على موائدكم».
وقد يتذكر ويقول لنا بصوت مفعم بالمسؤولية: «أعتذر لأن أحلامكم أصبحت مؤجلة إلى إشعار غير مسمى، لأن رواتبكم تمشي بخجل خلف الأسعار التي تركض دون أن تلتفت».
كنت أتخيله يعتذر عن الشتاء حين يتسلل إلى غرف أطفالنا من تحت الأبواب، وعن الصيف حين يتحول البيت إلى فرن كبير، وعن الماء حين يأتي خجولاً ساعة ويغيب أياماً.
لكن المسؤول أنهى خطابه سريعاً، نفض عن بدلته بقايا برد لم يختبره إلا لدقائق، وغادر القاعة وسط تصفيق مرتبك، بقينا نحن في أماكننا، نقترب من بعضنا أكثر، لنقتسم دفئاً نصنعه بأنفسنا، ونعتذر لبعضنا بصمت، لأن بعضنا مايزال يصدق أن الاعتذارات قد تغير شيئاً.




































































