اخبار سوريا
موقع كل يوم -الفرات
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٥
كتب حجي المسواط
في الحسكة، لا ترفٌ في السؤال عن جودة المياه، بل عن وجودها أساسًا. من لم يمت بانتظار دوره في صهريج ماء، مات عطشًا في بيته. الأزمة خرجت من كونها طارئة لتصبح نمط حياة مرير، تفرضه جغرافيا محاصرة وواقع سياسي معقّد.
في مشهد يومي بات مألوفًا، تتقاطع عشرات الصهاريج على الطرق الوعرة بين الحمة والحسكة، تنقل آخر ما تبقى من رمق آبار كانت تُعد يوماً شريان حياة المنطقة. أصحاب الصهاريج يتحدثون عن وقت مضاعف لتعبئة المياه، وآبار تنهار واحدة تلو الأخرى. من عشرات الآبار التي كانت تضخ بأريحية، لم يتبقَّ إلا القليل، وكأن الأرض قررت أن تغلق فمها أمام من لم يحسن إليها.
محطة علوك – التي يفترض أن تكون الحل – تحولت إلى شماعة للأزمات، لا تضخ إلا عندما تسمح الظروف السياسية. ومع انسداد الأفق، أصبحت آبار الحمة، رغم بدائيتها، الملاذ الأخير… لكنها أيضاً تنهار.
أزمة المياه لم تعد مجرد معاناة خدمية، بل عنوان لكارثة إنسانية تتدحرج ببطء. مدينة تجاوز عدد سكانها المليون، تعتمد على مطر موسمي شحيح، وعلى آبار ارتوازية لم تعد ترتوي، وعلى صهاريج أصبحت مصدر دخل واحتكار في آن.
هنا لا تُطرح الأسئلة عن الخطط المستقبلية أو مشاريع إنقاذ، بل عن الغد القريب: من أين سنشرب؟ كيف سنغسل أطفالنا؟ ماذا لو جفت الحمة تمامًا؟
الحق في الماء هو حق إنساني أساسي، لكن في الحسكة، هذا الحق يُباع بخمسين ألف ليرة للخزان، في الوقت الذي لا تتجاوز فيه الرواتب الرسمية عتبة البقاء.
في مواجهة هذا الواقع، بات المطلوب أكثر من مجرد مساعدات مؤقتة، بل موقف إنساني عاجل يضع الماء قبل أي حسابات سياسية أو عسكرية. الحسكة عطشى، لا تنتظر مؤتمرات ولا خطابات. تنتظر فقط من يفتح لها صنبور الحياة… قبل فوات الأوان.