اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٥
لم يكن اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي، مركز مدينة رام الله أول من أمس، مجرد عملية عسكرية عابرة، بل خطوة محسوبة في سياق معركة مفتوحة على ما تبقى من السيادة الفلسطينية.
وحسب محللين سياسيين، أن تدخل قوات الاحتلال إلى مركز القرار السياسي للسلطة الفلسطينية، في وضح النهار، لا يعني فقط تنفيذ عملية ميدانية، بل يمثل رسما لمشهد جديد في الضفة الغربية، تنهار فيه رمزية السلطة، وتفكك فيه ركائز الدولة.
اقتحام السيادة
اعتبرت د. تمارا حداد، خبيرة العلاقات الدولية والشؤون السياسية، أن اقتحام الاحتلال لمركز مدينة رام الله، واستهداف منشآت مالية كالبنوك وشركات الصرافة، يحمل طابعا سياسيا يفوق الطابع الأمني.
وفي حديثها لصحيفة 'فلسطين'، تقول حداد، إن الرسالة الإسرائيلية واضحة: لا حصانة لأي مرفق أو مؤسسة في الضفة، حتى لو كانت في مركز 'القرار المالي والسياسي الفلسطيني'.
بحسب حداد، فإن الاحتلال أراد من هذا الاقتحام أن يؤكد للمجتمع الدولي والسلطة أن السيادة الفعلية في الضفة بيده، وأن مشروع الدولة الفلسطينية لن يسمح له بالاكتمال. وترى أن 'اقتحام مراكز المدن في الضفة يأتي ضمن سياسة لإنهاء معالم ترسيخ الدولة الفلسطينية، بدءا من تكثيف الاستيطان، وانتهاء باقتحام رموز السيادة المدنية'.
من جانبه، يرى المحلل السياسي محمد القيق أن الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بالعمليات العسكرية، بل ينتهج سياسة اقتصادية ممنهجة تهدف إلى ضرب الثقة في بنية الدولة الفلسطينية. مشيرا إلى أن ممارسات مثل مصادرة الأموال، إغلاق المؤسسات، ومنع أموال المقاصة، كلها تأتي في إطار 'مخطط مدروس لإضعاف السلطة وضرب ثقة الناس بالاقتصاد المحلي، وبالتالي كسر أي تصور لدولة قادرة على الحياة'.
تتفق حداد في هذا الطرح، مؤكدة أن هذه الإجراءات تهدف إلى خنق السلطة ماليا، وعرقلة تحركاتها الدبلوماسية، عبر إظهارها ككيان ضعيف لا يملك السيطرة حتى على مؤسساته الاقتصادية.
خريطة متغيرة
يصف القيق المشهد في الضفة الغربية بأنه حالة متقدمة من التطهير العرقي الناعم، يمارس عبر قرارات هدم، ومصادرة الأراضي، ومنع التوسع العمراني، وتكثيف هجمات المستوطنين، بما يجعل حياة الفلسطينيين في الأرياف والمناطق المفتوحة شبه مستحيلة.
ويقول القيق لـ'فلسطين'، إن دولة الاحتلال تسارع الزمن لتنفيذ مشروع 'تقليص الجغرافيا السكانية الفلسطينية'، تمهيدا لإعادة توزيع الفلسطينيين ضمن تجمعات مغلقة يسهل التحكم بها. ويتوقع أن 'ما يجري الآن هو تمهيد لمرحلة أكثر خطورة، قد تشمل عمليات ترحيل قسري تحت الضغط النفسي والمعيشي والأمني'، في إطار خطة تستهدف إنهاء أي تموضع فلسطيني مؤثر في خارطة الضفة.
ما بعد رام الله
يذهب القيق إلى أن الاحتلال بات يعتبر السلطة جسما منتهي الصلاحية في الضفة الغربية، ولم يعد يرى فيها شريكا سياسيا. بل تم تجاوزها إلى مرحلة التعامل معها كـ'أداة أمنية مؤقتة'، قد يتم نقلها لاحقا إلى غزة ضمن ترتيبات إقليمية.
ويضيف أن 'الهدف هو تصفية مشروع التحرر الوطني، واستبداله بوظائف إدارية وأمنية موضعية، لا تعكس إرادة سياسية حقيقية'. ويتابع: 'إن فشلت السلطة في غزة، فلا ضرر لإسرائيل، لأنها تُحكم السيطرة على الضفة فعليا'.
هذه الرؤية تتقاطع مع تحذيرات حداد من أن ما يجري في الضفة الغربية يهدف إلى ضرب جوهر الهوية السياسية الفلسطينية، وتحويل الصراع إلى صراع خدمات ومعيشة داخل تجمعات مغلقة، بعيدا عن أي إطار تحرري جامع.
تتفق حداد والقيق على أن المشهد في الضفة الغربية لم يعد يحتمل توصيفه بـ'التصعيد'، بل هو تحول استراتيجي لإعادة صياغة الخريطة السياسية والجغرافية والديمغرافية للصراع. رام الله لم تكن مجرد هدف أمني، بل رمز سيادي تم إسقاطه ميدانيا، في رسالة لا تقبل التأويل