اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكـالـة مـعـا الاخـبـارية
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٥
الكاتب:
الدكتور شادي أبو زرقة
القائم بأعمال سفير دولة فلسطين في الصين
إنّ فشل الولايات المتحدة الأمريكية في منح الرئيس الفلسطيني والمسؤولين الفلسطينيين تأشيرات دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤتمرات العالمية الخاصة بالسلام، يُشكّل انتهاكًا خطيرًا لاتفاقية مقر الأمم المتحدة، تلك الوثيقة الأساسية التي تكفل استقلالية المنظمة الدولية وحرية عملها.
وفي هذه المقالة، نقدّم تحليلًا قانونيًا معمّقًا لهذه المسألة بالغة الأهمية، ورؤية لمدى تفاعل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مع هذا الانتهاك الذي يتجاهل نزاهة النظام الدولي وجوهر مبادئ القانون الدبلوماسي.
الوضع القانوني: انتهاك واضح
1. انتهاك اتفاقية مقر الأمم المتحدة
إنّ اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1947 تُلزم الدولة المضيفة، أي الولايات المتحدة الأمريكية، باستقبال ممثلي جميع الدول الأعضاء والمراقبين في الأمم المتحدة لأغراض مرتبطة بعمل المنظمة فقط، وفقًا لأحكام الاتفاقية بأن على الولايات المتحدة التعهد بالسماح بدخول ممثلي الدول الأعضاء والمراقبين في الأمم المتحدة إلى أراضيها.
ومنذ حصول فلسطين على صفة دولة مراقب عام 2012، فإنّ المسؤولين الفلسطينيين يتمتعون بالامتيازات والحصانات نفسها التي تتمتع بها البعثات الدبلوماسية الأخرى. وعليه، فإنّ رفض الولايات المتحدة منح التأشيرة للرئيس محمود عباس ومسؤولين فلسطينيين آخرين يُعد انتهاكًا مباشرًا لنص الاتفاقية، ويُشكّل سابقة خطيرة في تسييس حق الوصول الدبلوماسي.
2. تعارض القانون الداخلي الأمريكي مع الالتزامات الدولية
تُبرّر الولايات المتحدة قراراتها في رفض التأشيرات استنادًا إلى قانون الهجرة والجنسية، القسم 212(أ)(3)(ج)، الذي يتيح رفض التأشيرات بذريعة 'اعتبارات الأمن القومي أو السياسة الخارجية'. غير أن هذا التبرير، وفق منظور القانون الدولي، يُمثل 'تسليحًا للسياسة التأشيرية'، أي استخدام القانون الداخلي لتجاوز الالتزامات القانونية الدولية.
إنّ مثل هذا الإجراء لا ينتهك اتفاقية المقر فحسب، بل يُخالف أيضًا مبدأ العقود يجب أن تُحترم (pacta sunt servanda)، وهو أساس القانون الدولي، فحينما تطبّق الدولة المضيفة قوانينها الداخلية لتقييد المشاركة على مستوى الأمم المتحدة، فإنّها تضع نفسها فوق النظام القانوني الدولي الذي كانت هي نفسها من المساهمين في صياغته.
الحلول الممكنة: مسارات لتحمّل المسؤولية
1. المفاوضات الدبلوماسية
يمكن للأمين العام للأمم المتحدة أن يستخدم 'مساعيه الحميدة' لفتح حوار دبلوماسي رفيع المستوى مع الحكومة الأمريكية، لتأكيد أهمية احترام اتفاقية المقر وإبراز الآثار السلبية لرفض التأشيرات على مصداقية الأمم المتحدة وعملية السلام. إذ إنّه في عام 1988، حين رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة للرئيس ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، لجأت الأمم المتحدة إلى القنوات الدبلوماسية للتعامل مع القضية. ورغم أن الأزمة حُلّت في نهاية المطاف من خلال جلسة استثنائية، فإنها أظهرت جدوى الإصرار على التدخل الدبلوماسي.
2. تفعيل آلية تسوية النزاعات
تنص المادة 21 من اتفاقية المقر على آلية رسمية لتسوية النزاعات، تسمح للأمم المتحدة بطلب التحكيم أو اللجوء إلى وسائل قانونية أخرى، وفي عام 1988، قضت محكمة العدل الدولية بأن الولايات المتحدة مُلزمة بالدخول في عملية تحكيم بشأن تفسير وتطبيق الاتفاقية، ويُعدّ هذا سابقة أساسية تؤكد أن للأمم المتحدة القدرة القانونية على إرغام الولايات المتحدة على حل النزاعات المتعلقة بالتأشيرات من خلال آليات مُلزمة، لا عبر قرارات سياسية أحادية.
3. قرار من الجمعية العامة
يمكن للجمعية العامة أن تعتمد قرارًا يدين سياسة التأشيرات الأمريكية ويؤكد امتيازات الدولة المراقب في المشاركة بفعاليات الأمم المتحدة، وسيكون لمثل هذا القرار أهمية سياسية كبرى، وقد يخلق ضغطًا دوليًا على الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها، فعلى سبيل المثال، خلال جلستها الاستثنائية الطارئة العاشرة في 10 أيار/مايو 2024، اعتمدت الجمعية العامة قرارًا يُقر بحق فلسطين في العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. مثل هذه القرارات والأفعال المستقبلية المماثلة يمكن أن تشكّل أساسًا قانونيًا وسياسيًا لمواجهة قيود التأشيرات.
4. الضغط الدولي العام
بإمكان المجتمع الدولي ممارسة الضغط على الولايات المتحدة من خلال بيانات مشتركة وانتقادات علنية وردود إقليمية، ويمكن للدول والمنظمات الإقليمية أن تذكّر بأن رفض التأشيرة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو خرق لمبادئ القانون الدولي يضر بنزاهة النظام الأممي، إذ إنّ مثل هذا الجهد الجماعي يمكن أن يُهيئ بيئة سياسية دولية مواتية لحل الأزمة، ويدفع الولايات المتحدة إلى مواءمة التزاماتها الدولية مع سياساتها الخارجية.
الخاتمة: تطبيق حكم القانون في الأمم المتحدة
إنّ رفض منح التأشيرات للمسؤولين الفلسطينيين ليس مجرد نزاع ثنائي، بل هو تحدٍ لمبادئ المساواة بين الدول في السيادة، وحرية الوصول الدبلوماسي، وسيادة القانون التي يقوم عليها نظام الأمم المتحدة، لقد وُجدت اتفاقية المقر تحديدًا لمنع الدولة المضيفة من استغلال سيادتها الإقليمية لعرقلة عمل المجتمع الدولي، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تواجهها الأمم المتحدة وشركاؤها، بات من الضروري الالتزام الصارم بالاتفاقيات الأساسية مثل اتفاقية المقر وتفعيلها، ويجب على المجتمع الدولي أن يتخذ موقفًا حازمًا يضمن عدم إخضاع الامتيازات الدبلوماسية للمصالح السياسية، وأن يتمكّن جميع الدول المراقبة من المشاركة الكاملة في أعمال الأمم المتحدة، لذا فإنّ ساعة التحرك المسؤول قد حانت – ليس فقط دفاعًا عن حقوق فلسطين، بل لحماية نزاهة النظام الدبلوماسي الدولي بأسره.