اخبار فلسطين
موقع كل يوم -راديو بيت لحم ٢٠٠٠
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
بيت لحم 2000 -
*حين يتحوّل التعلّم إلى عبء: قراءة نفسية في ضغوط الطلبة وواجبات الإصلاح التربوي*
*بقلم: د. لؤي زعول*
*دكتوراه في علم النفس الاجتماعي والعملي*
- *ضغوط الطلبة النفسية تتزايد وتتطلب تدخلًا جادًا.*
- *أساليب التعليم التقليدية لم تعد تلائم واقع الجيل الحالي.*
- *دعم الصحة النفسية جزء أساسي من نجاح العملية التعليمية.*
- *الإصلاح مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف*
لفت انتباهي مؤخرًا خبرٌ متناقل عبر شبكات التواصل الاجتماعي حول حالة انتحار لطالبة جامعية، وهو خبرٌ صادم لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، لما يحمله من دلالات عميقة تتجاوز الحدث ذاته، وتدفعنا للتساؤل بجدية عن واقع الضغوط النفسية التي يعيشها طلبتنا، وعن دورنا جميعًا في الوقاية قبل الوصول إلى هذه النهايات المؤلمة.
*من منظور علم النفس الاجتماعي*، فإن الفرد لا يعيش بمعزل عن بيئته، بل يتأثر بشبكة من التوقعات والضغوط الاجتماعية والأكاديمية، حيث تتشكل لديه 'صورة الذات الأكاديمية'، والتي قد تتعرض للاهتزاز عندما يشعر بالعجز عن تلبية المعايير المفروضة عليه. أما في علم النفس العملي (التطبيقي)، فإن تراكم الضغوط دون وجود دعم نفسي كافٍ يؤدي إلى 'الاحتراق النفسي الأكاديمي'، وهي حالة من الإرهاق الذهني والعاطفي قد تفقد الطالب دافعيته ومعنى سعيه، وتدفعه نحو الانسحاب أو حتى الانهيار.
إن التعليم في جوهره ليس عملية تلقين سردي، بل هو عملية بناء معنى وتعزيز للدافعية الذاتية، حيث يشعر الطالب أن ما يتعلمه مرتبط بحياته وواقعه. وفي العديد من الدول المتقدمة، لم يعد النجاح يقاس فقط بالتحصيل الأكاديمي، بل بمدى قدرة الطالب على التفكير النقدي، والعمل الجماعي، والمرونة النفسية. فمثلًا، تعتمد أنظمة تعليمية حديثة على تقليل الواجبات المنزلية المكثفة، مقابل زيادة التعلم التفاعلي داخل الصف، وتوفير مساحات آمنة للحوار والتعبير.
كما أن بعض الجامعات العالمية تولي اهتمامًا كبيرًا بالصحة النفسية، من خلال مراكز دعم نفسي متخصصة، وبرامج للوقاية من التوتر، وإدماج مهارات الحياة ضمن المناهج. هذه النماذج لا تعني المثالية، لكنها تعكس فهمًا عميقًا بأن الطالب إنسان قبل أن يكون رقمًا.
ورغم تقديرنا الكبير للمعلمين والمعلمات والمحاضرين، إلا أن التطوير والتقييم المستمر ضرورة مهنية لا تنتقص من أحد، بل تعكس حرصًا على جودة التعليم وإنسانية مخرجاته.
وفي السياق الفلسطيني تحديدًا، لا بد من التأكيد أن واقع الطلبة يختلف بشكل كبير عن نظرائهم في كثير من دول العالم، في ظل التحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا الواقع يتطلب حساسية أعلى في التعامل، وفهمًا أعمق لاحتياجات الطلبة، بعيدًا عن المقارنات أو إسقاط تجارب سابقة.
إن فترة تعلم المحاضرين الأفاضل تختلف عن واقع الطلبة اليوم، سواء من حيث الوسائل أو التحديات أو طبيعة المعرفة. لذلك، فإن الاعتماد على الأسلوب السردي التقليدي لم يعد كافيًا، بل قد يفاقم الشعور بالضغط لدى الطلبة. فالعالم اليوم قائم على التعلم الرقمي، والتفاعل، والبحث، وليس فقط التلقي.
ومن هنا، فإن الرسالة الواضحة هي: لا يمكن تعليم جيل جديد بأدوات قديمة دون إعادة تكييفها مع واقعه.
كما تتحمل الجامعات مسؤولية أساسية في متابعة وتقييم هيئاتها التدريسية، والعمل على تطوير قدراتهم التعليمية بشكل مستمر، والاستماع بجدية لتقييمات الطلبة، باعتبارها مؤشرًا مهمًا لتحسين الأداء. فالعلم لا يتوقف، ولا يحتكر، بل هو عملية تشاركية.
*رسائل تحفيزية:*
*إلى الطلبة:* أنتم أكبر من أي نتيجة، وقيمتكم لا تُختصر في علامة. تذكّروا أن التعلم رحلة، وأن التحديات جزء من النمو، لا دليل على الفشل.
*إلى المعلمين:* أنتم صناع الأثر الحقيقي، وكلمة واحدة منكم قد تبني أو تهدم دافعية طالب. فاجعلوا من التعليم تجربة إنسانية قبل أن تكون أكاديمية.
*إلى الأهالي:* أبناؤكم بحاجة لدعمكم النفسي أكثر من ضغطكم الأكاديمي. الثقة تصنع النجاح أكثر من الخوف.
*توصيات مهنية:*
*أولًا: للمؤسسات التعليمية:*
- إدماج خدمات الإرشاد النفسي بشكل فعال.
- تقليل التركيز على الحفظ وزيادة التعلم التفاعلي.
- تنظيم العبء الدراسي بما يتناسب مع قدرات الطلبة.
- الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في دعم الصحة النفسية.
*ثانيًا: للمحاضرين والمعلمين:*
- تبني استراتيجيات تعليمية حديثة قائمة على التفاعل.
- مراعاة الفروق الفردية.
- تقليل الواجبات السردية المرهقة.
- دعم الطلبة نفسيًا وتعليميًا.
*ثالثًا: للأهالي:*
- تجنب المقارنات والضغط الزائد.
- توفير بيئة داعمة ومتوازنة.
- تنظيم الوقت بين الدراسة والراحة.
*رابعًا: لصنّاع القرار:*
- تطوير سياسات تعليمية تراعي الصحة النفسية.
- تدريب الكوادر على مهارات الدعم النفسي.
- تقييم التعليم الإلكتروني بواقعية.
*خلاصة موسّعة:* إن بناء الإنسان لا يقتصر على تزويده بالمعلومة، بل يتطلب الحفاظ على توازنه النفسي، وتعزيز قدرته على الاستمرار. فالتعليم الذي يرهق النفس ويفقدها الأمل، هو تعليم بحاجة إلى مراجعة. أما التعليم الذي يراعي إنسانية الطالب، فهو القادر على صناعة مستقبل حقيقي.
*فلنكن جميعًا شركاء في إعادة التوازن للعملية التعليمية، لأن مستقبل أبنائنا لا يُبنى فقط بالعقول، بل بالنفوس السليمة، والدافعية الحية، والأمل الذي لا ينطفئ.*

























































