اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٥
تشكل البلدة القديمة في القدس المحتلة، قلب القدس النابض، ومركزها بما تضمنه من معالم عربية وإسلامية ومسيحيّة، وهي واحد من أطواق الدفاع عن المقدسات بشكلٍ عام، والمسجد الأقصى على وجه الخصوص، وتتشكل البلدة القديمة من المنطقة الواقعة داخل سور القدس، وهو السور الذي جدد بناءه السلطان سليمان القانوني، وبقيت هذه المنطقة المحاطة بالسور تمثل المدينة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي شهد بداية توسع المدينة خارج الأسوار، وأمام هذه الأهمية الكبيرة وما تضمه من معالم ورموز وآثار، تستهدف سلطات الاحتلال هذه المنطقة بالعديد من المشاريع التهويديّة، وتسعى إلى السيطرة عليها بشكلٍ كامل، وفي هذا المقال نسلط الضوء على أبرز المخاطر المحدقة بالبلدة القديمة.
هدم الأقصى هدفٌ مركزيّ للمنظمات المتطرفة
شهدت السنوات الماضية تصاعداً في نشاط 'منظمات المعبد'، وهي الجهة القائمة على اقتحامات الأقصى وتعمل على حضّ جمهور المستوطنين على المشاركة في هذه الاقتحامات، وتصعيد العدوان على المسجد وعلى مكوناته البشرية، وتحمل 'منظمات المعبد' هدفاً بعيد المدى يتمثل بهدم الأقصى كاملاً وإقامة 'المعبد الثالث' مكانه، إلى جانب أهدافٍ مرحلية أُخرى تتمثل بتهويد المسجد، وفرض الوجود اليهوديّ داخله من خلال تكثيف اقتحاماته وخاصّة في الأعياد اليهوديّة.
العبث بالديموغرافيا وتعزيز الاستيطان
تُشير معطيات قديمة نسبيًا إلى أن عدد السكان في البلدة القديمة يقدر بنحو 37 ألف نسمة، من بينهم أكثر من 4 آلاف مستوطن، ويتركز المستوطنون في الحي اليهوديّ، إلى جانب الحي الأرمني، فيما يتوزع ما بقي منهم في بؤر استيطانية في قلب الأحياء الفلسطينية، ومع وجود ثقل نوعي للفلسطينيين يقدر بنحو 33 ألف فلسطيني، تسعى سلطات الاحتلال إلى تقليل هذا العدد من خلال جملة من الإجراءات، تتركز في هدم منازل الفلسطينيين، وحرمانهم من السكن عبر الاستيلاء والمصادرة، والدفع بهم للخروج من البلدة القديمة، وصولًا إلى التضييق على مصادر رزقهم، والتنغيص على حياتهم وغيرها.
وفي سياق العبث بالديموغرافيا في البلدة القديمة، تعمل أذرع الاحتلال على فرض سيطرتها على أملاك الفلسطينيين، بهدف إنشاء بؤر استيطانية داخل البلدة القديمة، من خلال ادعاء ملكية هذه العقارات ليهود قبل عام 1948، وبطبيعة الحال القاضي والجلاد هو نفسه، فتقوم أذرع الاحتلال القانونية بالنظر في هذه القضايا، وتسمح للجمعيات الاستيطانية بالسيطرة على هذه العقارات، وتتضارب المعطيات حول أعداد البؤر الاستيطانية في البلدة القديمة، وبحسب بعض التقديرات تصل إلى أكثر من 80 بؤرة استيطانية، تضم عشرات العائلات الاستيطانية، وتسعى أذرع الاحتلال إلى رفع أعداد المستوطنين بشكلٍ تدريجي.
مشاريع البناء التهويدي
تعمل سلطات الاحتلال على تغيير الهوية الحضارية والتاريخية للبلدة القديمة خاصة والقدس بشكل ٍ عام، وخلال السنوات الماضية استطاعت زرع عشرات المعالم اليهودية في البلدة القديمة، في سياق إظهار هوية دخيلة مدعاة، فإلى جانب تنفيذ عشرات الحفريات أسفل المسجد الأقصى والبلدة القديمة، وبناء معالم يهوديّة ضخمة ضمن ما يسمى 'مدينة داود' ومشروع 'تأهيل الحوض المقدس'، في محاولة لإنشاء مدينة يهوديّة تحت الأرض، موازية للبلدة القديمة فوقها، وفي هذا الصدد يعمل الاحتلال على ربط الحفريات العديدة من خلال شبكة من الأنفاق، وقد حوَّل العديد منها إلى متاحف وكنس.
أما فوق الأرض، تسعى أذرع الاحتلال إلى تعزيز البناء التهويديّ، من خلال بناء معالم يهوديّة كثيرة متعددة الاستخدامات، وفي مقدمتها الكنس اليهوديّة، بهدف إدارة عمليات اقتحام الأقصى، وتشويه المظهر العربي والإسلامي للمدينة، وقد تصاعد بناء هذه المعالم منذ افتتاح كنيس الخراب في عام 2010، وبحسب مصادر مقدسية بنت أذرع الاحتلال أكثر من 100 كنيس ومعلم يهودي ومتحف ومركز للزوار في البلدة القديمة ومحيطها، من أبرزها مشروع 'بيت شتراوس' على بعد أمتار من سور الأقصى الغربي.
استهداف المعالم العربية والإسلامية
ولا شك بأن حجم البناء التهويدي فوق الأرض، والحفريات أسفلها، تضرّ بشكلٍ كبير بمعالم البلدة القديمة، خاصة أنها منطقة أثرها في عمومها، تعود مبانيها إلى الحقب الزمنية المتعاقبة، فتعمل أذرع الاحتلال على استهداف هذا التراث، وتخريب هذه الآثار، واستبدالها بمعالم دخيلة، لتوحي أن الوجود اليهودي في القدس وجود قديم، فتعمل أذرع الاحتلال على طمس هذه المعالم، وتدمير ما تستطيع تدميره، أو تحويل جهة استخدامه، من خلال السيطرة المباشرة للمستوطنين، أو عقد المهرجانات، أو البناء المباشر فوقه، وقد شهدت البلدة القديمة منذ احتلالها عام 67 جملةً من الانتهاكات، أبرزها:
• مصادرة العديد من المباني التاريخية في البلدة القديمة، سواء كانت سكنية أو دينية أو معالم أثرية، على غرار رباط الكرد.
• هدم أجزاء كبيرة من البلدة القديمة، أبرزها هدم حارتي المغاربة والشرف، بعيد احتلال القدس عام 67، وتدمير الآثار الإسلامية في الأماكن التي تشهد حفريات، داخل البلدة القديمة، وقد شهدت السنوات الماضية عشرات الأمثلة، لتدمير اكتشافات أثرية تعود إلى الحقب الإسلامية المختلفة.
• تزوير المعالم التاريخية، والادعاء أنها تعود إلى حقب زمنية غير موجودة، وخاصة ما يتعلق بـ'المعبد المزعوم'.
• الاستيلاء على أجزاء من المباني، أو أنساق معمارية عربية وإسلامية، والادعاء بأنها عمارة يهوديّة قديمة، في سياق التزوير المستمرّ لتاريخ المدينة وإقحام الرواية التلموديّة بالقوة.
• سرقة الحجارة الأثرية للأبنية الإسلامية، واستخدامها في بناء الكنس اليهودية أو غيرها من المعالم التهويدية.
تغيير أسماء الشوارع
واحدةٌ من أبرز الأدوات لتغيير هوية المدينة، وتصل أعداد الأماكن والشوارع المقدسية التي غيّرت سلطات الاحتلال أسماءها، إلى نحو 22 ألف مكان وشارع ومعلم، وتغير سلطات الاحتلال الأسماء الفلسطينية بثلاثة أساليب، الأول، عبر تغيير الأسماء العربية بأخرى تحمل طابعًا دينيًا تعود إلى أسطورة 'المعبد' أو لشخصياتٍ صهيونية. أما الثاني، من خلال ترجمة الأسماء العربية إلى العبرية، وهذا ما يلغي استعمالها العربي مع مرور الزمن. والثالث، الإبقاء على الأحرف العربية نفسها، ولكن كتابتها بالحرف العبري، ونطقها بشكل يؤدي إلى معنى آخر يختلف عن اسمها العربي الأصيل.
حصار البلدة القديمة بالحدائق التوراتيّة
تطوق سلطات الاحتلال البلدة القديمة بسبع 'حدائق توراتية' تهويدية تتصل ببعضها. وبدأت فكرة الحدائق منذ سبعينيات القرن الماضي، وتصاعدت بشكل كبير في السنوات الماضية. والحدائق التوراتية مصطلح مضلل يهدف الاحتلال من خلاله إلى منع أي وجود فلسطيني في محيط البلدة القديمة والأقصى، والاستيلاء على مزيدٍ من أراضي الفلسطينيين. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى احتلال فضاء القدس، وتشويهه بمشاريع المواصلات والأبنية العملاقة، في سياق تغيير صورة المدينة الحضارية وهويتها التاريخية، عبر مشاريع مختلفة، من بينها القطار المعلق 'التلفريك'، والأبراج الاستيطانية الضخمة، والمراكز الترفيهية، إضافةً إلى ما أوردناه سابقًا من مشاريع وكنس تزاحم المسجد الأقصى المبارك ومركزيته في هوية المدينة.
أخيرًا، تمثل هذه المخططات نذرًا يسيرًا مما تتعرض له البلدة القديمة، وهو أنموذج لما تتعرض له القدس المحتلة عامةً من مخططات مختلفة، فالإنسان في هذه المدينة يتعرض لمختلف أدوات الترهيب والقتل والتضييق، في محاولة لإخراج الفلسطيني من مدينته، وتتصل هذه المخاطر السابقة، بمحاولات إفقار المجتمع الفلسطيني، وحصاره من خلال الاقتصاد والصحة والتعليم، وغياب أي مؤسسات أهلية تستطيع القيام برفد المجتمع بأدوات المواجهة، ليظلّ المجتمع الفلسطيني عرضة لمخططات العدو وعدوانه المستمرّ.