اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
منذ نحو عام ونصف، تجلس والدة سند سليمان جعرور على حافة الانتظار، تترقب خبرًا، أو إشارة، أو حتى بقايا جسد، تُنهي بها رحلة بحثها عن ابنها الذي فُقد تحت أنقاض مدرسة التابعين شرق مدينة غزة، دون أن يُعثر له على أثر.
تعود القصة إلى فجر السبت 8 أكتوبر 2024، حين ارتكب الاحتلال مجزرة دامية بقصف مدرسة التابعين في حي الدرج، أثناء أداء صلاة الفجر، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 100 فلسطيني، وسط دمار هائل غيّب ملامح المكان والضحايا معًا.
القصف العنيف بقنابل فتاكة لم يترك وراءه سوى الركام، إذ تبخرت جثامين عشرات الشهداء، واختفت آثارهم بالكامل، وكان من بينهم سند جعرور، الذي خرج إلى الصلاة ولم يعد.
تقول والدته إنها هرعت إلى مكان المجزرة فور وقوعها، علّها تجد ابنها بين الشهداء أو الجرحى، لكن حجم الدمار كان أكبر من أي قدرة على التعرف أو الانتشال.
وتضيف لـ 'فلسطين أون لاين': 'ما رأيناه لم يكن يُشبه أي شيء... لم نتمكن من التعرف على أحد، ولا حتى جمع الجثامين'.
ومنذ ذلك اليوم، لم تغلق الأم باب الأمل، رغم قسوته، فهي لا تزال تنتظر 'أي شيء' يدل على ابنها، حتى لو كان جزءًا صغيرًا من جسده، لتمنحه قبرًا، وتمنح نفسها نهاية لهذا الغياب المفتوح.
توضح الأم أن حرمانها من دفن نجلها كان الوجع الأكبر، خاصة أنها فقدت 17 شهيدًا من عائلتها خلال الحرب، وتمكنت من دفنهم جميعًا، ولكل منهم قبر تزوره، باستثناء سند الذي بقي بلا أثر.
لم يكن سند مجرد رقم في قائمة المفقودين، بل أبًا لثلاث بنات، أصغرهن رضيعة لم يتجاوز عمرها سبعة أشهر عند استشهاده، فيما تعيش شقيقتاها طفولة مبتورة في غياب الأب.
وتصف الأم الفقد الذي تعيشه بأنه 'مختلف'، فغياب الجثمان لا يترك مجالًا للوداع، ولا يسمح للحزن أن يكتمل، ليبقى الحداد مفتوحًا بلا نهاية.
اقرأ أيضًا: المفقودون في غزَّة... جرح مفتوح لا تداويه الأيَّام
وتتساءل بمرارة: 'أي مبرر لقصف مدرسة مليئة بالنازحين؟ وكيف يمكن أن تختفي أجساد بهذا الشكل؟'.
وبحسب إفادات الدفاع المدني في غزة، فإن ظاهرة 'تبخر الجثامين' باتت متكررة خلال الحرب، حيث أُبلغ عن فقدان آلاف الضحايا دون العثور على جثامينهم.
وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن الطواقم الميدانية كثيرًا ما كانت تتلقى بلاغات عن وجود أعداد محددة من الأشخاص داخل مبانٍ مستهدفة، لكن عند الانتشال يُعثر على عدد أقل، ما يشير إلى أن بعض الأجساد تبخرت بالكامل تحت شدة القصف، وهو أمر غير مسبوق مقارنة بالحروب السابقة.
المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل
من جهته، أفاد المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا بأن أكثر من 7 آلاف شخص ما زالوا في عداد المفقودين، بعضهم تحت الأنقاض، وآخرون في مناطق يصعب الوصول إليها، أو داخل مراكز احتجاز إسرائيلية دون معلومات واضحة عن مصيرهم.
اقرأ أيضًا: أمهات غزة يبحثن عن خيط أمل لمعرفة مصير المفقودين
في زاوية خيمتها، تحتفظ أم سند بصورة ابنها، تلمسها كل يوم، كأنها تحاول تثبيت ملامحه في الذاكرة، خشية أن يبتلعه الغياب كما ابتلعه الركام.
تقول بصوت متعب: 'لا أريد شيئًا... فقط أريد قبرًا أزور فيه ابني'.

























































