اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١ كانون الثاني ٢٠٢٦
في إطار سلسلة رسائل العقل التي يوجّهها رئيس حزب حركة التغيير المحامي ايلي محفوض الى الشيعة في لبنان، عقد محفوض مؤتمرا صحافيا ظهر يوم الخميس الواقع فيه الأول من كانون الثاني 2026، أذاع خلاله رسالة العقل الثالثة والتي حملت عنوان: من يملك شجاعة المراجعة يحفظ موقعه ودوره ومستقبل طائفته وهذا نصّ الرسالة :أيها اللبنانيون، أتوجّه إليكم اليوم بوعيٍ كامل لمسؤوليتي الوطنية، وبشعورٍ عميق بثقل اللحظة التاريخية التي نعيشها. ما أقوله ليس خطابًا عاديًا، ولا موقفًا سياسيًا تقليديًا، ولا محاولة تسجيل نقاط. ما أقوله هو تحذير وطني أخير، لأن لبنان يقف اليوم على مفترق بالغ الخطورة، ولأن الاستمرار في الإنكار، والمسايرة، والتراخي، لم يعد خيارًا، بل أصبح طريقًا مباشرًا إلى الهلاك الجماعي. ما نعيشه لم يعد يحتمل التأجيل أو التجميل أو دفن الرؤوس في الرمال. البلاد تُسحب يومًا بعد يوم نحو المجهول، والمؤشرات كلها تؤكد أننا نقترب من لحظة انفجار كبير، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وما أقوله اليوم ليس تصعيدًا ولا تهديدًا، بل محاولة صريحة وصادقة لاستدراك الأسوأ قبل وقوعه، ومنع كارثة وطنية تلوح في الأفق إذا استمر هذا المسار من دون تصحيح جذري وحاسم.
أيها اللبنانيون، ما يجري في لبنان ليس أزمة عابرة، ولا خلافًا سياسيًا طبيعيًا بين قوى متنافسة. ما يجري هو نتيجة مباشرة لمسار طويل من تعطيل الدولة، وضرب مؤسساتها، ومصادرة قرارها، وفرض مشروع ميليشياوي مسلح يتناقض كليًا مع فلسفة الجمهورية اللبنانية القائمة على الحريات العامة، والتعددية، وسيادة القانون، والشرعية المحلية والدولية. هذا المسار لم يؤدِّ يومًا إلى حماية لبنان، بل قاده إلى العزلة، والانهيار المالي والاقتصادي، وتدمير ما تبقى من مقومات الدولة، وعرّضه مرارًا لمخاطر الحروب والاعتداءات، وجعل اللبنانيين رهائن حسابات عسكرية لا تشبههم ولا تعبّر عن مصالحهم ولا تخدم مستقبل أولادهم.
إن استمرار السلاح خارج سلطة الدولة لا يعني قوة، ولا توازنًا، ولا ردعًا. بل يعني شيئًا واحدًا فقط: ازدواجية في القرار، فقدانًا للسيادة، وتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية. ويعني عمليًا تعريض البلاد لمخاطر محددة وواضحة لا يمكن لأحد إنكارها: تصعيد عسكري مفاجئ، حرب واسعة قد تندلع في أي لحظة، تدمير إضافي للبنى التحتية، سقوط ضحايا أبرياء، تهجير جديد، شلل اقتصادي كامل، وضرب ما تبقى من المجتمع والدولة، وربما فرض وقائع سياسية وأمنية قسرية لن يكون الخروج منها سهلًا أو قريبًا. وأقولها بوضوح لا يحتمل الالتباس: الاستمرار في هذا المسار يعني أن كل بيت لبناني بات مهددًا، وكل عائلة في دائرة الخطر، وكل مستقبل معرضًا للضياع. من يعتقد أن النار ستبقى بعيدة عنه مخطئ وخطير في آن. في الحروب، لا توجد مناطق محمية، ولا فئات محصّنة، ولا متفرجون. الجميع يدفع الثمن، لكن دائمًا يدفعه الأبرياء أولًا: في السياسة، القوة الحقيقية ليست في امتلاك السلاح، بل في القدرة على بناء دولة، وتأمين استقرار، وفتح أفق حياة كريمة للناس. كل التجارب في العالم أثبتت أن الميليشيات، مهما رفعت شعارات كبيرة، تنتهي دائمًا بالدمار والخراب والعزلة. وفي المقابل، انظروا إلى دول اختارت الدولة الواحدة فنجحت: الإمارات استثمرت في الإنسان، والثقافة، والسياحة، والتكنولوجيا، وبنت نموذجًا عالميًا للحياة الحديثة. السعودية أطلقت رؤية شاملة غيّرت وجه اقتصادها، وفتحت أبواب العمل والأمل لشبابها. قطر بنت دولة مؤسسات، ونجحت في فرض حضورها العالمي بالاستقرار والتنمية. هذه الدول لم تنجح لأنها الأقوى عسكريًا، بل لأنها اختارت الاستقرار، والشرعية، والدولة الواحدة.
أما لبنان، بكل طاقاته البشرية، وبعقوله المنتشرة في العالم، فلا يزال عاجزًا عن تأمين أبسط حقوق مواطنيه: كهرباء، ماء، أمان، عمل، مستقبل. لماذا؟ لأن الدولة ممنوعة من أن تحكم، ومكبّلة بسلاح خارج سلطتها، ومهددة في كل لحظة بانفجار أمني أو عسكري. هذا الواقع ليس قدرًا، بل نتيجة خيارات خاطئة، بل خطيرة، يجب تصحيحها الآن، لا غدًا. وكل يوم تأخير يقرّبنا أكثر من لحظة الانهيار الشامل. إن حرصي على السلم الأهلي هو حرص غير قابل للمساومة، لأن أي انفجار داخلي سيكون كارثيًا على الجميع من دون استثناء، وقد يقضي على ما تبقى من لبنان. لكن السلم الأهلي لا يُحمى بالصمت عن الخطر، ولا بتبرير الأمر الواقع، ولا بتعويد الناس على الخوف، بل بمواجهة الحقيقة قبل أن تتحول إلى كارثة. الطريق واضح ولا بديل عنه: الالتزام الكامل باتفاق الطائف، وبالقرارات الدولية 1559 و1680 و1701، وبمنطق الدولة الواحدة، والسلاح الواحد، والقرار الواحد. أي خروج عن هذا المسار هو مغامرة بمصير وطن كامل. وأقولها اليوم بلهجة تحذير قصوى: نحن نقترب من نقطة اللاعودة. احتمال حصول حسم عسكري أو انفجار واسع لم يعد فرضية نظرية أو تهويلاً سياسيًا، بل خطرًا حقيقيًا ومتزايدًا. وإذا وقع، فلن يكون انتصارًا لأحد، بل دمارًا للبنان، ومزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الخراب، وربما أشكالًا جديدة من الاحتلال أو الوصاية تحت عناوين مختلفة. عندها، لن تنفع الندمات، ولن يُغفر لمن عرف وسكت أو ساير أو كابر.
ومن هنا، أقولها بوضوح كامل ومن دون أي التباس: كل من يعرقل قيام الدولة اليوم، كل من يرفض حصر السلاح بيدها، كل من يمنع الحل، ويتعمّد إبقاء لبنان ساحة لا دولة، يتحمّل مسؤولية مباشرة عن أي دمار، وأي دم، وأي مأساة قد تقع. هذه ليست اتهامات سياسية، بل حقيقة وطنية وأخلاقية وتاريخية. لم يعد مقبولًا أن يُقدَّم التخريب على أنه خيار، ولا أن يُسوَّق الانتحار الوطني على أنه بطولة.أيها اللبنانيون، الاستمرار في التراخي سيقضي علينا. الصمت لن يحمينا. التسويات الوهمية لن تنقذنا. كل يوم نؤجل فيه الحسم السياسي، نقترب أكثر من الكارثة. من هذه اللحظة، الخيار صار واضحًا وصارمًا ولا يحتمل التأجيل: إما دولة سيدة، قادرة، تحمي شعبها وتؤمّن له الأمن والمستقبل، وإما فوضى مدمّرة وانهيار شامل يبتلع الجميع بلا استثناء. أنا اخترت الدولة. اخترت لبنان. اخترت أن أقول الحقيقة مهما كانت قاسية. ومن يختار غير ذلك، فليتحمّل أمام اللبنانيين وأمام التاريخ كامل المسؤولية عن المصير الذي يقودنا إليه. هذا ليس خطابًا عاديًا، ولا تحذيرًا عابرًا. هذا إنذار أخير. ومن لا يسمعه اليوم بعقله وضميره، سيسمعه غدًا على وقع الانهيار والخراب…وعندها، قد لا يبقى ما يمكن إنقاذه. إسمعوني جيدًا…هل تقبلون أن يبقى وطنكم ساحة، وأبناؤكم وقودًا، ومستقبلكم رهينة؟ لقد جرّبتم منطق السلاح والميليشيا… فماذا حصدتم غير القتل والفقر والخوف؟ أولادكم سقطوا، وغيرهم هرب وتنعّم بثروته، فهل تريدون تكرار المأساة مرة بعد مرة؟ انظروا من حولكم، انظروا إلى الشعوب القريبة كيف تعيش بالفرح والاستقرار، انظروا إلى دول اختارت الحياة فربحت، واختارت الدولة فازدهرت، واسألوا أنفسكم بصدق: لماذا تريدون السلاح؟ وبماذا نفعكم؟ تعالوا إلى حيث الأمان، إلى حيث الدولة، إلى حيث المستقبل، فالخيار واضح… إما الحياة، وإما الدوران الأبدي في دائرة الخراب.











































































