اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٥
يرسم الفنان فوزي البعلبكي من رحم الفن الذي وُلد في المجتمعات الأولى، فلوحاته هي مرآة شفافة لعلاقة الإنسان القديم بالعالم، قبل أن تنفصل الأشياء عن معانيها، وقبل أن يُفكّك العقل ما كان يوماً كتلة واحدة من الشعور والغريزة والانبهار. في هذا الفن، لا يُرسم العالم كما يُرى، بل كما يُعاش ويُخشى ويُراد. من هنا، ينبثق الرمز، لا كزخرفة أو ترف بصري، بل كضرورة نفسية ووجودية. فالرمز في الفن البدائي ليس مجرد بديل عن الشيء، بل هو الشيء وقد اكتسب حياة ثانية، وامتداداً في الذاكرة والمخيّلة. حين يرسم الإنسان البدائي ثوراً على جدار كهفه، لا يعني ذلك أنه يتحدث عن ثور، بل إنه يُعيد حضور القوة التي يراها في هذا الحيوان، يُعيد استحضارها وتملّكها، وربما السيطرة عليها. الرمز هنا هو شكل مُمَثِّل لقوة غير مرئية، تَسكُن المخيّلة قبل أن تَسكن الحجر أو الطين أو الجدار.
تنتمي لوحات فوزي البعلبكي بوضوح إلى عالم الرمزية التجريدية ذات النزعة الطفولية/البدائية (Primitivism) التي تعيدنا إلى لغة العلامة الأولى لأن الرمزية في الفن البدائي تكشف عن بنية نفسية لا تزال تتردد أصداؤها في أعماق الإنسان المعاصر: رغبة لاواعية في تحويل ما هو غامض إلى ما يمكن الإمساك به عبر الصورة. هذا لا يتم إلّا عبر وسيط هو رمز يربط بين ما هو داخلي (الانفعال، الرغبة، الخوف) وما هو خارجي (العالم، الحيوان، الطبيعة). ولعلّ ما يثير الانتباه في الرموز البدائية هو طابعها الكثيف والمعقّد، رغم بساطة أدواتها. فالصورة التي تبدو للوهلة الأولى بدائية أو ساذجة، تحمل نظاماً دقيقاً من العلاقات الرمزية التي تنسج شبكة من المعاني كالرموز الصغيرة (نصف قمر، دوائر ملونة) تضيف بُعداً كونياً، كأنها نجوم أو كواكب، ما يجعل المشهد أقرب إلى «رقصة كونية» أو شعيرة أسطورية. اختزال شديد في أسلوبه التشكيلي، بحيث يتركز التعبير في الخطوط، أشبه بلغة بدائية أو أبجدية صورية. الأسلوب يجمع بين التجريد (Abstraction) والرمزية الطفولية، في تواصل مع روح بيكاسو وميرو، لكنه يحتفظ بفرادة في المزج بين الإنسان والحيوان والطبيعة. كما أن التباين القوي بين الخط الأسود والسطح اللوني الزاهي يجعل العناصر أشبه بالنقش على جدار ساطع، وكأننا أمام «كهف حديث» للذاكرة الإنسانية. إذ يصبح الفن البدائي تجربة رمزية كليّة، لا تفصل بين الذات والموضوع، ولا بين الواقع والخيال. فالفنان البدائي لا يسعى إلى «تمثيل» العالم، بل إلى «خلق» عالم بديل، عالم تسكنه الرموز التي تمنحه الأمان أو تفتح له باباً إلى المقدّس أو تحميه من المجهول.
يرسم البعلبكي أشكالًا شبه إنسانية/ حيوانية/ نباتية بخط واحد متصل تقريباً، وهذا يمنحها انسيابية قوية. هذا الأسلوب يوحّد العناصر رغم اختلافها (شجرة، قنطور، ثعبان، إنسان)، ما يحقق توازناً داخلياً رغم التناقضات. مما يجعل اللوحة متوازنة على أساس التضاد وليس على أساس التناظر المرآوي يمكن القول إن الفن البدائي يُجسّد لحظة التقاء بين ما يُسمّى بالعمليات الأولية (المندفعة، اللاواعية، الرمزية الحرّة) والعمليات الثانوية (التنظيم، التكرار، البناء الرمزي). هذا الالتقاء هو ما يجعل من الرمز فعلاً حيّاً: إنه لا يُغلق المعنى، بل يفتحه، ويظل قابلاً للتأويل من جديد، عبر العصور والثقافات.
قراءة الرموز في هذا الفن ليست مجرد نبش في الماضي، بل هي أيضاً قراءة في أصول الوعي البشري، في اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يشكّل العالم لا فقط عبر الصيد والبقاء، بل عبر المعنى. ولعلّ هذا ما يجعل الفن البدائي وبكل ما فيه من بساطة مشهدية وعمق رمزي أقرب إلينا مما نظن. فلوحاته تقع في نقطة وسط بين ميرو (الكوني الرمزي) وكلي (اللغة البصرية البدائية) وهارينغ (إيقاع الخطوط السوداء الشعبية). إنه جزء من تقاليد الفن الرمزي التجريدي العالمي الذي يحاور الأسطورة والطفولة والكون في آن واحد. فهل من دقة رمزية في كل خط وشكل موضوع رسمه بعناية لخدمة الفكرة (الميثولوجيا، الإنسان - الحيوان - الكون)؟