اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٥ أذار ٢٠٢٦
كتب أحمد العاروري في موقع التلفزيون العربي
خاض حزب الله مواجهة عسكرية وأمنية مع إسرائيل منذ اجتياح لبنان في يونيو/ حزيران 1982، تعددت أشكالها عبر مراحل مختلفة، اختلف فيها التكتيك العسكري من خلال تنويع الأدوات، ضمن استراتيجيات بقي بعضها ثابتًا، وأخرى تغيّرت تبعًا لتبدلات في الميدان والسياسة، وتغيّر شكل التماس بين الطرفين، وتبدّلت معادلات القوة، بفعل التغييرات الإقليمية.
نخبة البدايات.. التأسيس ورعاية المسيرة
قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982، عرف لبنان تيارات إسلامية شيعية ذات توجهات مختلفة؛ بعضها مرتبط بحركة أمل التي أسسها الإمام موسى الصدر، وأخرى بحزب الدعوة العراقي وغيره، تزامنًا مع انطلاق وتأسيس جمعيات ذات توجهات ثقافية وتعليمية تأثرت بمصادر مختلفة، بينها أفكار الخميني والثورة الإسلامية في إيران ومحمد باقر الصدر، وبعضها بأدبيات إخوانية مثل كتابات سيد قطب وحسن البنا وغيرهما. (1)
من هذه التيارات تشكلت النواة الأساسية لحزب الله، الذي انطلق لاحقًا ردًا على اجتياح إسرائيل للأراضي اللبنانية وصولًا إلى بيروت. وكانت 'اللجنة التساعية' التي تكوّنت من ممثلين عن مختلف هذه التوجهات، صاحبة الدور الأساسي في تأسيس الحزب، ووضعت فلسفته الدينية والسياسية القائمة على متابعة 'الولي الفقيه'، واتصلت مع إيران. وكانت التدريبات العسكرية الكبرى الأولى التي تلقّاها كوادر الحزب في معسكر جنتا في البقاع الغربي على يد ضباط الحرس الثوري الإيراني الذين توجهوا إلى المنطقة بتوجيه من الإمام الخميني. (2)
العودة إلى هذه المرحلة التأسيسية في عمر الحزب مهمة لفهم تاريخه العسكري؛ إذ إن مجموعة من قياداته العسكرية التاريخية التي رافقته منذ البداية لسنوات طويلة، واكتسبت معه خبرات عسكرية وأمنية، وساهمت في تشكيل أجهزته المختلفة ووضع صياغاته التكتيكية والاستراتيجية، كانت أعضاء في هذه الجمعيات والتيارات، مثل عماد مغنية، ومصطفى بدر الدين، وعبد المنعم كركي، وإبراهيم عقيل، وسمير مطوط، وفؤاد شكر، وعاصي زين الدين، وسهيل الحسيني، ونبيل قاووق وغيرهم. (3)
كما ارتبط جزء من كوادر هذه المجموعات العسكرية الأولى في حزب الله بفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتلقّوا تدريبات داخلها خلال سنوات التمركز الفلسطيني في لبنان، وبعضهم شارك في معارك ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. والمثال الأبرز هنا هو عماد مغنية، الذي واصل علاقاته مع حركة فتح حتى خلال الانتفاضة الثانية، وتقول المصادر التاريخية إن رسائل جمعته مع علي خضر ديب 'أبو حسن سلامة'، القيادي في الحزب، مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. (4)
من المفاصل التأسيسية في تاريخ الحزب، كما تذكر مصادره وروايات القادة والكوادر الأوائل فيه، معركة خلدة في مواجهة التقدم الإسرائيلي نحو بيروت، بمشاركة مقاتلين من حركة أمل والتنظيمات اللبنانية والفلسطينية. وكان عبد المنعم كركي، قائد منطقة الجنوب الذي اغتالته إسرائيل مع السيد حسن نصر الله، من بين جرحى المعركة. وتروي مصادر الحزب أن فؤاد شكر، قائد أركان الحزب الذي اغتيل خلال حرب إسناد غزة، عاد إلى منطقة الأوزاعي في بيروت بناقلة جنود إسرائيلية اغتنمتها مجموعته خلال المعركة. (5)
حزب الله في طور السرية
تشكّلت البنية العسكرية الأولى لحزب الله من مجموعات ذات طابع سري نفذت عمليات بطابع 'حرب العصابات'، كان الهدف الأساسي منها في تلك المرحلة استنزاف قوات الاحتلال الإسرائيلي التي كانت تسيطر على مساحات واسعة من الأرض اللبنانية. ومن أبرز فعاليات الحزب العسكرية في السنوات الأولى من تاريخه العمليات التفجيرية التي استهدفت مقرات إسرائيلية. (6)
في نوفمبر/ تشرين الثاني 1982 انهار مبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي قرب شاطئ صور، بعد أن دخل إليه أحمد قصير بسيارة مفخخة، وقتل تحت أنقاضه عشرات من ضباط وجنود المخابرات والجيش وحرس الحدود الإسرائيلي. وعُرفت هذه العملية في الأدبيات الإسرائيلية باسم 'كارثة (صور) الأولى'. ورغم أن الرواية الرسمية للحكومة الإسرائيلية حاولت حينها إخفاء دلائل وجود منفذ للعملية، وزعمت أن سبب الانفجار هو أنابيب غاز داخل المقر، فإن ضغط عائلات القتلى دفع إسرائيل للاعتراف بأن الانفجار كان عملية نفذها حزب الله. (7)
بقي اسم المنفذ سريًا لعدة سنوات، حتى الانسحاب الإسرائيلي إلى ما عُرف حينها بـ'المنطقة الأمنية' عام 1985، حيث أعلن حزب الله اسم أحمد قصير وبيانه التأسيسي، وظهر اسمه للعلن بعد سنوات من العمل السري. (8)
ومن أسرار حزب الله في تلك المرحلة اسم منفذ عملية تفجير مقر قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدرسة الشجرة في صور، المعروفة بـ'كارثة صور الثانية'، (9) إضافة إلى عمليات استهداف مقرات المارينز والقوات الفرنسية في بيروت عام 1983، ما أدى إلى مقتل أكثر من 240 جنديًا أميركيًا و58 جنديًا فرنسيًا، فضلًا عن عمليات أخرى ضد القوات متعددة الجنسيات والسفارة الأميركية وخطف طائرات، بقي الحزب ينفي مسؤوليته عنها (10)، رغم اتهام الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية والغربية قيادات فيه بالمسؤولية، مثل عماد مغنية، وإبراهيم عقيل، وفؤاد شكر، وعاصي زين الدين، وعلي الرضا عطوي، ومحمد علي حمادة، وحسن عز الدين، الذين كان بعضهم يعمل ضمن مجموعة أطلقت على نفسها 'المستضعفون في الأرض' قبل أن تكمل عملها العسكري مع الحزب لاحقًا. (11)
استخدم حزب الله في هذه المرحلة تكتيك العمليات التفجيرية، واستمر فيه في مراحله اللاحقة ولكن بكثافة أقل من البدايات. وكان لفؤاد شكر مع آخرين دور مركزي في هذه العمليات (13). وطوّر الحزب منذ بداياته جهازًا أمنيًا واستخباراتيًا عمل بالتوازي مع الجهاز العسكري، وتلقى المنخرطون فيه تدريبات على العمليات الاستخباراتية التي تشمل التصدي لمحاولات الاختراق والتجسس، وشن عمليات تنصت، والعمل على اختراق الأجهزة المعادية له. وتقول مصادره إنه نجح في اختراق ميليشيا العميل أنطوان لحد خلال فترة احتلال الجنوب، وحصل على معلومات أمنية حساسة عبر هذه الاختراقات. (14)
من الخلايا إلى المحاور.. تحولات على التنظيم العسكري
انتقل الهيكل التنظيمي لحزب الله، بعد انسحاب جيش الاحتلال من معظم مدن وبلدات الجنوب، إلى القرى والبلدات التي بقيت محتلة حتى مايو/ أيار 2000، من نظام عمل الخلايا الصغيرة السرية إلى تقسيم خطوط القتال على شكل مناطق لها قائد ومسؤولون وتشكيلات مختلفة، تضم مختلف أنواع وتشكيلات الأسلحة التي كانت ضمن أدواته القتالية حينها.
وكافح الحزب ليضع له مكانًا ضمن الجنوب، في ظل التنافس الشرس مع حركة أمل في تلك السنوات، والذي كان يضيّق عليه عمله العسكري، وعمل من خلال علاقاته مع التنظيمات الفلسطينية على فتح طريق لمقاتليه نحو الجنوب، وانخرط في الدفاع عن الفلسطينيين خلال حرب المخيمات. (15)
عمل حزب الله، في فترة ما بين (1985 – 1990)، على تنظيم قوته في الجنوب ضمن محاور، وبناء شبكات ومتاريس ومخابئ، كما في المغارات والكهوف التي عمل على تحويلها إلى مواقع لانطلاق مقاتليه في إقليم التفاح وغيرها. وشارك في هذه العمليات الدفاعية والتأسيسية عديد من كوادره الذين أصبحوا لاحقًا ضمن هيكله القيادي، مثل حسن محمود فرحات. (16)
حرب المواقع
نفّذ الحزب، في هذه الفترة، عمليات هجومية تشنّها مجموعات من عدة أفراد على المواقع العسكرية الإسرائيلية وتلك التابعة لميليشيا العميل أنطوان لحد، على تلال وجبال المنطقة المحتلة من جنوب لبنان، بإشراف عدد من قيادات الحزب السياسية والعسكرية حينها، على رأسهم عباس الموسوي، الأمين العام الثاني للحزب بعد الشيخ صبحي الطفيلي. (17)
وأطلق على عمليات الهجوم على المواقع العسكرية في جبال ومناطق علي الطاهر، والحقبان، ومنطقة الريحان، والعيشية، والبرعشية، ولوسي، والسريرة، وعلمان، والشومرية وغيرها، عدة أسماء آتية من المعجم الديني الذي يحمله الحزب، مثل 'عمليات بدر الكبرى' (18).
وكان من رموز هذه العمليات في الميدان سمير مطوط، ورضا الشاعر، ونصار نصار، وعلي مرعي، وعباس ذيب نعمة، ومحمد علي ناصر الدين، ومحمد قمر، ورضا ياسين، وسعيد مواسي، وفادي الطويل، وعبد الكريم وهبي، وعباس سلامة، ومحمد بجيجي، الذي عمل على تسليح وتشكيل المجموعات في منطقة البقاع الغربي، وغيرهم. وكان لعبد المنعم كركي، ومغنية، وغيرهما من قيادات الحزب دور في القيادة المركزية لكل هذه المجموعات على مستوى الجنوب والبقاع الغربي.
ومن بين العمليات النوعية التي نفذها الحزب في فترة الثمانينيات خطف جنديين من جيش الاحتلال الإسرائيلي في كمين نصبته مجموعة عسكرية بقيادة سمير مطوط لدورية كانت تمر قرب المعبر العسكري الإسرائيلي المشترك مع ميليشيا لحد، قرب بلدة بيت ياحون الجنوبية. (19)
واستطاع الصمود في وجه عمليات عسكرية كبيرة حاولت تدمير بنيته التحتية التنظيمية والأمنية والعسكرية، كما في الهجوم الذي شنه تشكيل من قوات المظليين والمدرعات والمشاة في الجيش الإسرائيلي عام 1988 على بلدة ميدون التي تحتل موقعًا استراتيجيًا بين الجنوب والبقاع. وهي المعركة التي تُعرف في أدبيات الحزب بـ'ملحمة ميدون'، وانتهت بارتقاء المقاتلين فيها جميعهم وتدمير البلدة، وتكبيد القوات الإسرائيلية خسائر في الأفراد والمعدات. (20)
بقيت عمليات خطف الجنود الإسرائيليين من أبرز أدوات الحزب العسكرية طوال تاريخه اللاحق، بهدف تحرير الأسرى من السجون الإسرائيلية، ومن سجن الخيام الذي ارتكبت فيه ميليشيا لحد جرائم قاسية بحق المعتقلين خلال فترة احتلال الجنوب.
التسعينيات.. سنوات الاستنزاف لإسرائيل
استفاد حزب الله، في فترة التسعينات، من عوامل مختلفة لتطوير عمله العسكري، بينها انتهاء الصراع مع حركة أمل الذي كان يشكل تهديدًا له، خاصة أنه داخل البيئة الواحدة التي يعمل فيها الطرفان، والتركيبة السياسية التي وصل إليها لبنان بعد اتفاق الطائف، رغم أن علاقته كانت سيئة مع الإدارة السورية للبنان، التي كان على رأسها غازي كنعان، الذي يتهمه الحزب بارتكاب مجزرة بحق كوادره في ثكنة فتح الله (21)، بالإضافة إلى تولي عباس الموسوي الأمانة العامة، وتولي حسن نصر الله مسؤوليات تنفيذية ربطته بالميدان وبالعلاقة مع الكوادر العسكرية والتنظيمية المختلفة. (22)
واشتغل الحزب على تطوير قدرات كوادره العسكرية والأمنية، وأسلحته والمعدات التي يستخدمها في مهاجمة المواقع العسكرية وتلك التابعة لميليشيا العملاء، بالاستفادة من علاقاته مع الحرس الثوري في إيران، وأسس أجهزة أخرى وطوّر من أخرى كانت في مراحل سابقة، مثل الإعلام الحربي، وحرص على تصوير عملياته، خاصة مشاهد رفع العلم على دشم المواقع العسكرية (23)، وكان في هذه السنوات دور مركزي لمصطفى بدر الدين (24)، وعماد مغنية، وإبراهيم عقيل، وعبد المنعم كركي، وخالد بزي، ومحمد نعمة ناصر، وعلاء فياض، وسامي طالب عبد الله، والشيخ نبيل قاووق، وفؤاد شكر، وهيثم الطبطبائي، وسهيل الحسيني، وعلي حسن سلهب، وغسان الفقيه، ومحمد أحمد عيسى، وحسن حسين الحاج، وإبراهيم محمود الحاج، وحسين هزيمة، ومحمد قانصوه، وحسان اللقيس، وغيرهم.
دمج الحزب، في فترة التسعينيات، بين حزمة من الأدوات العسكرية في سياق استراتيجيته العليا، وهي استنزاف قوة الاحتلال وميليشيا العملاء، وحمل المجتمع الإسرائيلي والقيادة السياسية والعسكرية على قناعة بأنه لا جدوى من البقاء في لبنان، واستخدم تكتيكات اقتحام المواقع المحصنة واستهدافها بالصواريخ الموجهة وقذائف الهاون، وكثّف من تفعيل العبوات الناسفة الفتاكة التي كبّدت القوات الإسرائيلية خسائر فادحة، وأدخل صواريخ 'الكاتيوشا' كسلاح يستخدمه للضغط على المستوطنات الشمالية بهدف وقف استهداف الاحتلال للقرى والبلدات الجنوبية والمدنيين. (25)
وضمن هذه الاستراتيجية الاستنزافية، صمّم عمليات لاستهداف قيادات في ميليشيا العملاء، واغتال عددًا منهم، أعلاهم رتبة كان عقل هاشم (26)، قبل شهور فقط من تحرير الجنوب، وكانت عملية اغتياله في سياق منع إسرائيل من تنفيذ مشروع إقامة شريط أمني مصغر يسيطر عليه هاشم، وبهدف دفع العملاء إلى الانهيار والاستسلام لأمن الحزب والدولة اللبنانية.
ونفذ الحزب عمليات اغتيال واستهداف لضباط كبار في القيادة العسكرية الإسرائيلية، بينهم إيرز غيرشتاين (27) قائد فرقة لبنان، الذي قُتل مع عدد من الضباط بعد استهداف موكبه بعبوات ناسفة خلال جولة له في الجنوب، وحاول اغتيال وزير الجيش إسحاق مردخاي (28) قرب منطقة الناقورة، وقائد المنطقة الشمالية في فترة التسعينيات عميرام ليفين، الذي وضع خطة لمواجهة حزب الله على 'طريقة حزب الله'، أي العمل العسكري ضد الحزب عبر قالب 'حرب العصابات' الذي كان يستخدمه لاستنزاف القوات الإسرائيلية، وأسس لهذا الهدف وحدات خاصة جمع لها جنودًا وضباطًا 'نخبويين' من وحدات مختلفة من الجيش، بينها 'وحدة إيجوز' (29)، التي نفذت عمليات خلف خطوط حزب الله في عمق البلدات والقرى الجنوبية، واغتالت كوادر عسكرية، لكنها تكبدت خسائر بسبب العبوات الناسفة، التي كان للقطات المصورة لها من قبل الإعلام الحربي في الحزب تأثير هام في الحرب النفسية، ودفعت قطاعات في المجتمع الإسرائيلي إلى التحرك للمطالبة بالانسحاب من لبنان. (30)
الضغط على الداخل الإسرائيلي.. تحرير الجنوب
كانت حركة 'الأمهات الأربع'، (31) أبرز تجليات التوجه العام الإسرائيلي الضاغط على الحكومة نحو الانسحاب، وعززت ذلك حوادث عملياتية، مثل مقتل عشرات الجنود بعد تحطم مروحيتين كانتا في طريقهما نحو الجنوب (32)، وكمائن قاسية، مثل 'كمين أنصارية' الذي وقعت فيه قوة وحدة النخبة البحرية 'شييطت 13'. (33)
ومنح الصمود الذي أظهره الحزب بعد اغتيال أمينه العام عباس الموسوي مع زوجته وطفله (34)، وحرب 1993، ثم عدوان نيسان 1996، (35) وقدرته على الاستمرار في نسق متواصل من العمليات، واستخدام سلاح 'الكاتيوشا' في الضغط على الحكومة الإسرائيلية، مع العمليات التي كانت تنفذها قوى وطنية وإسلامية أخرى في لبنان ضد قوات الاحتلال والعملاء، الداعين في المجتمع الإسرائيلي للانسحاب من لبنان، مشروعية أكبر، خاصة مع الخسائر اليومية في الضباط والجنود داخل المواقع المتقدمة التي كانت تشرف على المناطق المحررة في محيط جزين والبقاع الغربي وغيرها، حتى صار لبنان 'النسخة الفيتنامية الخاصة بإسرائيل'. (36)
وتتهم الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية حزب الله بالمسؤولية عن تفجيرات وعمليات خارجية خلال فترة التسعينيات، بينها تفجير مقرات مؤسسات يهودية في الأرجنتين (37)، بعد اغتيال عباس الموسوي، كما حاول نقل العمليات إلى فلسطين المحتلة عبر إدخال كوادر منه إلى هناك باستخدام جوازات سفر أجنبية وغيرها، كما في حالة حسين المقداد الذي انفجرت به عبوة ناسفة خلال تجهيزه لتفجيرها بشخصية قيادية إسرائيلية، وأصيب بجروح بليغة واعتُقل لسنوات قبل أن يُفرج عنه في صفقة تبادل، وقال جهاز 'الموساد' حينها إن مغنية هو المسؤول عن توجيه العملية. (38)
وفي الأشهر الأخيرة من الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، كثّف الحزب من حربه النفسية على ميليشيا العملاء عبر تقنيات مختلفة تقوم على 'بث الرعب' في صفوفهم لدفعهم نحو الاستسلام، ونفذ سلسلة عمليات استهداف لمواقع عسكرية في عمق المنطقة المحتلة، كما في عملية البياضة التي سبقت تحرير الجنوب بأيام، وكان مغنية وإبراهيم عقيل من المشرفين عليها، (39) وحاول في تلك الفترة تنفيذ عملية أسر كبيرة لجنود إسرائيليين قرب منطقة سوق الخان، لكن انكشاف المجموعة أفشلها. (40)
ساهمت المسيرات الشعبية التي دخلت القرى الجنوبية المحتلة، وشارك في قيادتها قيادات من الحزب، أبرزهم الشيخ نبيل قاووق، قائد منطقة الجنوب في تلك الفترة، في انهيار ميليشيا العملاء وتعجيل موعد انسحاب الجيش الإسرائيلي بعد أكثر من 20 عامًا من احتلال المنطقة، انتهت في مايو/ أيار 2000، وشهدت مواجهات عسكرية ضارية بين القوات الإسرائيلية وحلفائها من العملاء ضد حركات المقاومة من التيارات الوطنية واليسارية والإسلامية. (41)
بين التحرير والحرب.. ورشة التطوير
انطلق حزب الله، بعد تحرير جنوب لبنان، في ورشة لتطوير بنية تحتية عسكرية وتنظيمية لمواجهة الحرب المقبلة التي كان يعتقد بثقة أنها مقبلة، وعمل على توسيع وحداته العسكرية ضمن قيادة عليا مسؤولة عن كل منطقة، مثل مقر (سيد الشهداء) المسؤول عن منطقة الجنوب، الذي كان يتولى قيادته عبد المنعم كركي.
أقام الحزب، في الفترة بين 2000 حتى حرب 2006، شبكة من التحصينات الأرضية في قرى وبلدات الجنوب، تشمل الأنفاق ومقرات القيادة والسيطرة، وعززها بأنواع أسلحة تجعل من قوات المشاة التابعة له قادرة على ضرب القوات الإسرائيلية والمرونة في التحرك داخل الميدان، في مزيج بين حرب العصابات وتشكيلات تشبه تلك التي في القوات النظامية من ناحية التنظيم على شكل هياكل تضم قوات مسؤولاً عنها قيادات محلية، وفوقها قيادة مركزية، وداخل كل منطقة وحدات مختصة في أسلحة ومسؤوليات مختلفة. (42)
وعزز الحزب، في هذه السنوات، منظومته الصاروخية بمقذوفات كانت قادرة حينها على تغطية مساحة من المستوطنات والمدن الإسرائيلية في شمال فلسطين، مع الصواريخ المضادة للدروع التي كانت فارقة في الحرب البرية (43) خلال حرب 2006، وكبّدت قوات المدرعات في الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة، كما في المعارك التي اندلعت في وادي الحجير وسهل الخيام. (44)
بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، نفذ حزب الله سلسلة عمليات عسكرية، أبرزها خطف الجنود بيني أفراهام، وآدي أفيتان، وعمر سواعد بعد مهاجمة دوريتهم في مزارع شبعا في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2000 (45)، وبعد أيام أعلن الأمين العام السابق حسن نصر الله عن أسر العقيد في الجيش الإسرائيلي ألحنان تننباوم بعد استدراجه من فلسطين إلى أوروبا ثم خطفه إلى لبنان، وفي 2004 جرت عملية تبادل للأسرى بين الطرفين بوساطة المخابرات الألمانية، شملت تننباوم وجثث الجنود الثلاثة مقابل 23 أسيرًا لبنانيًا ونحو 400 أسير فلسطيني. (46)
استهدف حزب الله مواقع الاحتلال في مزارع شبعا عدة مرات خلال السنوات ما بين التحرير وحرب 2006 بالصواريخ وقذائف الهاون، وربط في بياناته بين هذه العمليات ودعم الانتفاضة الفلسطينية التي كانت محتدمة حينها، (47) واتهمته الاستخبارات الإسرائيلية بدعم الفصائل الفلسطينية بالوسائل المادية والمالية والعسكرية، خاصة في قضية السفينة 'كارين A' التي قالت إسرائيل إن مغنية والحرس الثوري الإيراني جهزوها بالتنسيق مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بأنواع مختلفة من الأسلحة بهدف كسر التوازن العسكري مع الجيش الإسرائيلي الذي زج بقواته المدرعة في المواجهة مع الانتفاضة، (48) ونفذت الاستخبارات الإسرائيلية عمليات اغتيال لكوادر وقيادات في حزب الله عبر تفجير مركباتهم واستهدافهم بعبوات ناسفة داخل الضاحية الجنوبية في بيروت، بينهم غالب عوالي وعلي صالح، اللذان كانا من ضمن فريق العمل في الملف الفلسطيني، ولهم علاقة بالتنسيق مع الفصائل داخل فلسطين المحتلة. (49)
حرب 2006.. الانتصار بالصمود
مثلت حرب صيف 2006 محطة تاريخية في المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، حقق الحزب من خلالها اختبارًا عاليًا المستوى لاستراتيجيته العسكرية والأمنية التي عمل على تفاصيلها في السنوات اللاحقة لتحرير جنوب لبنان، وقامت في الأساس على تطوير قوات المشاة ومنحها قدرة العمل في بؤر متوزعة على الجنوب، بحيث تكون كل بؤرة قتالية قادرة على العمل المنفصل إذا انقطعت عن القيادة، وتتوفر لها الأسلحة اللازمة في حرب العصابات أمام جيش نظامي، بالإضافة إلى حفر الأنفاق، وتوفير السلاح في القرى والبلدات من أجل الدفاع عنها ضمن منظومة قتال مرن، وإمطار المستوطنات والمدن الشمالية بالصواريخ، وبناء وحدات استراتيجية لها علاقة بتطوير وامتلاك أسلحة تستهدف السفن البحرية كما في عملية ضرب البارجة 'ساعر'، وبناء شبكة اتصالات داخلية خاصة بالحزب لتمتين عمليات السيطرة والقيادة. (50)
عمل الحزب خلال الحرب على مسار استنزاف للقوات الإسرائيلية عبر الكمائن القاتلة التي وقعت فيها في مارون الراس، وعيتا الشعب، وبنت جبيل، وسهل الخيام، ووادي الحجير وغيرها من المناطق في الجنوب، توازياً مع الضغط على (الجبهة المدنية الإسرائيلية) عبر إمطارها بحزم يومية من المقذوفات الصاروخية. (51)
كان قالب الحرب الذي عمل عليه الحزب هو (اختبار قدرة الصمود)، وهو ما تورطت فيه إسرائيل بعد أن اختارت القتال ضمن الشكل الأميركي للحرب، وهو التركيز على القوة الجوية، التي كان يتطلب من الحزب لمواجهتها الصمود رغم الضربات التكتيكية التي تلقاها، وإخفاء مراكز الثقل العسكرية والسياسية له، والقتال المرن أمام تقدم القوات الإسرائيلية نحو الجنوب، التي لم تكن محكومة بخطة واضحة، وأفشل أهدافها الانتشار العسكري لقوات حزب الله في بؤر منحته فرصة خوض حرب عصابات نشطة، بالإضافة إلى تردد الحكومة الإسرائيلية التي كان يقودها حينها إيهود أولمرت في الذهاب نحو العمل البري أو الاكتفاء بالضربات الجوية. (52)
نجح الحزب في تحقيق انتصاره عبر استراتيجية (النصر بعدم الخسارة)، لأنه نجح في جر إسرائيل نحو حرب استنزافية تختبر قدرة صمود الأطراف، ونجح في تشغيل قوات المشاة فيه واستثمار أسلحة مضادة للدروع في تكبيد القوات الإسرائيلية خسائر جعلت من العمل البري غير ذي جدوى، في ظل الارتباك والتشويش والخلافات داخل القيادة السياسية والأمنية والعسكرية الإسرائيلية. (53)
بين حربين.. استعداد وترصد
في المرحلة ما بين حرب 2006 وحرب 2023، دخلت إسرائيل وحزب الله في مرحلة الاستعداد للحرب المقبلة. كانت الدروس التي خرجت بها المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية من حرب صيف 2006 متعددة، وأبرز ما أثر لاحقًا على مسار العمليات والأحداث هو تفعيل عملية تسلط استخباراتي واسعة على حزب الله لبناء بنك أهداف واسع يشمل قياداته العليا السياسية والعسكرية والأمنية وغيرها، وكوادره، ومقراته، وأسلحته الاستراتيجية.
وفي المقابل، طور الحزب شكل قواته وبنيته التنظيمية، وكذلك أسلحة استراتيجية مثل المسيّرات والصواريخ الدقيقة والقوة البحرية وغيرها، وظهرت في هذه المرحلة (قوة الرضوان) كقوة مشاة نخبوية خاصة، ساهم في تطويرها في المقام الأول إبراهيم عقيل. (54)
بقيت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في هذه السنوات، في سياقها العام، محكومة بالترقب والحذر وبناء معادلات تمنع الانزلاق إلى حرب، وواصلت الاستخبارات الإسرائيلية عمليات الظل ضد الحزب، وكان أبرزها اغتيال القائد العسكري التاريخي عماد مغنية (55)، وقيادات آخرين بينهم حسان اللقيس (56)، وجهاد مغنية (57)، ومحمد أحمد عيسى وغيرهم، ونفذ الحزب عمليات على أهداف محددة تركز معظمها في مزارع شبعا المحتلة، واستخدم منظومات الأسلحة التي لديه في الضغط على إسرائيل، كما في المرحلة ما قبل التوصل إلى اتفاق الغاز مع لبنان، حين حلّقت طائرات مسيّرة للحزب فوق حقل 'كاريش'. (58)
حرب الإسناد.. المناورة على حافة الحرب الشاملة
في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعد يوم من عملية 'طوفان الأقصى' التي نفذتها كتائب القسام والفصائل الفلسطينية ضد مستوطنات 'غلاف غزة'، بدأت مرحلة تاريخية من المواجهة بين الحزب وإسرائيل، جاءت في سياق انتقال تاريخي على مستوى المنطقة كلها.
بدأ حزب الله ما أطلق عليها 'حرب الإسناد'، فباشر عملياته العسكرية لمساندة قطاع غزة باستهداف مواقع عسكرية إسرائيلية في مزارع شبعا، قبل أن تتطور المواجهة في الشهور التالية نحو توسيع دائرة النار بين الطرفين. (59)
استخدم حزب الله أسلحة دقيقة حاول من خلالها التركيز على استهداف تجمعات للجيش الإسرائيلي، خاصة في مستوطنات التخوم بين فلسطين ولبنان، بالإضافة إلى منظومات التجسس والمراقبة الإسرائيلية، وركز في الشهور الأولى من الحرب على الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة والمضادة للدروع. (60)
ظهر من يوميات حرب الإسناد في مرحلتها الأولى أن الحزب كان يحاول تحقيق إسناد لغزة، وفي الوقت ذاته المناورة على حافة الحرب، أي ألا يصل إلى مرحلة الحرب الشاملة التي قد تدمر لبنان في ظل التعقيدات الداخلية اللبنانية، وبقيت الجدالات بين مؤيد ومعارض لهذه الاستراتيجية قائمة حتى اليوم.
إسرائيل تصدم الحزب.. الحرب التي ليس لها مثيل
وسعت إسرائيل دوائر الاستهداف عبر شهور الحرب، وبدأت باغتيال قيادات، منهم وسام الطويل (61) وعباس محمد رعد وغيرهما، ثم نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري (62) وعدد من فريقه وقيادات القسام بعد استهدافهم في الضاحية الجنوبية، وصولًا إلى فؤاد شكر (63) قائد أركان الحزب، قبل أن تنفذ الاستخبارات الإسرائيلية إحدى أقسى الضربات الأمنية عبر تفجير آلاف من أجهزة 'البيجر' والاتصالات (64)، مما أدى إلى إصابة المئات بجروح مختلفة، ثم تفجرت الحرب باغتيال عدد من القيادات، على رأسهم الأمين العام السابق حسن نصر الله (65)، ثم خليفته هشام صفي الدين، ومعهم قيادات عسكرية وأمنية وازنة في مسيرة الحزب.
رغم الضربات الكبيرة التي لحقت به في الحرب، واصل حزب الله، قبل إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، تنفيذ عمليات على العمق، فاستهدف منزل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (66) بطائرة مسيّرة، وكان من أبرز عملياته قصف معسكر لقوات 'جولاني' في شمال فلسطين بطائرات مسيّرة (67)، واستهداف 'تل أبيب' ومدنًا ومستوطنات ومعسكرات ومراكز أمنية بصواريخ من نوعيات متعددة، كما كبّدت قواته التي قاتلت في الجنوب القوات الإسرائيلية خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات خلال تقدمها البري.











































































