اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
بعد أكثر من عامين من الصراع المسلّح بين إسرائيل وحركة حماس، وأكثر من 15 عامًا من حكم حماس لقطاع غزة، طرأ تحوّل جذري تمثّل في بروز وجوه وكيانات جديدة لتولّي إدارة القطاع المدمَّر. فقد أُعلن في 15 كانون الثاني عام 2026 عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)، في خطوة تُعدّ تطوّرًا هامًّا في ترتيبات الحوكمة لما بعد الحرب في القطاع، ولا سيّما بعد أن تصدّرت حماس المشهد في سياق الصراع الدائر.
وجرى تأسيس اللجنة في أعقاب حرب غزة عام 2023، بوصفها إدارة فلسطينية انتقالية ذات طابع تكنوقراطي، تتولّى مهمّة تثبيت الاستقرار، والإشراف على إعادة الإعمار، وإدارة الشؤون المدنية، إلى حين العودة الكاملة للسلطة الفلسطينية.
وبدعم من شرعية دولية، وبموافقة حذرة من الفصائل الفلسطينية، تمثّل اللجنة محاولة لردم فراغ إداري طال أمده، مع التعامل في الوقت ذاته مع حساسيات إقليمية وسياسية بالغة التعقيد. استبدال الدور الإداري لحماس
تواصلت The Beiruter مع وليد الكيلاني، المسؤول الإعلامي لحركة حماس في لبنان، لفهم الديناميات الجديدة في قطاع غزة.
يُعدّ من أبرز وأهمّ جوانب تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة أنّها جاءت بديلًا عن لجنة المتابعة الحكومية التابعة لحماس، والتي أدارت الشؤون المدنية والأمن الداخلي في غزة على مدى 15 عامًا. وقد رحّبت حماس علنًا بتشكيل اللجنة التكنوقراطية، ووصفتها بأنّها خطوة بنّاءة نحو ترسيخ وقف إطلاق النار مع إسرائيل والتخفيف من حدّة الأزمة الإنسانية. وأشار الكيلاني إلى أنّ الحركة قدّمت ما بين 40 و45 اسمًا، وبدأ منذ ذلك الحين تداول اسم متوافق عليه في وسائل الإعلام.
وقال الكيلاني إنّ الحركة ترحّب بتشكيل اللجنة الإدارية لقطاع غزة، وتعمل مع الوسطاء على فتح المعابر، والسماح بدخول المساعدات، وضمان انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة وفقًا لما تمّ الاتفاق عليه في اتفاق تشرين الأوّل من العام الماضي». وأضاف أنّ الطبيعة تأبى الفراغ، ما يجعل من الضروري خلال هذه المرحلة وجود جهّة تتولى إدارة القطاع، وحماية المساعدات ومستودعاتها، وضمان وصولها إلى مستحقّيها.
وأكّد مسؤولو حماس مرارًا أنّ الحركة لا تسعى إلى لعب دور في إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب، بل تضع نفسها في موقع الفاعل السياسي الذي يراقب مخرجات الحوكمة لضمان الاستقرار وتسهيل إعادة الإعمار. وفي الوقت نفسه، شدّد الكيلاني على أن نجاح المرحلة الانتقالية يعتمد إلى حدّ كبير على الضمانات الدولية، ولا سيّما الضغط الأميركي على إسرائيل للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار والسماح بانطلاق عملية إعادة الإعمار من دون عرقلة. وأوضح أنّ حماس نفّذت معظم بنود الاتفاق، بما في ذلك تسليم الأسرى (أحياءً أو أمواتاً)، والامتناع عن فتح النار، والالتزام بما تمّ الاتفاق عليه. في المقابل، قال إنّ العدوّ الصهيوني خرق هذا الاتفاق أكثر من 1,200 مرّة، ما أسفر عن أكثر من 500 شهيد ونحو 1000 جريح.
ورغم ما تحظى به اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دعم دولي غير مسبوق، فإنّها تواجه تحدّيات جسيمة، أبرزها تأمين تمويل مستدام، والتعامل مع ملف السلاح والسيطرة الأمنية شديد الحساسية، وضمان حماية المساعدات الإنسانية وإيصالها، والحفاظ على ثقة الجمهور في سياق يتّسم بصدمة عميقة وتشرذم سياسي. ويُعدّ ملف الاحتفاظ بالسلاح من أكثر القضايا إشكالية وإثارة للجدل، في ظل إصرار تل أبيب على تحقيق هذا الهدف. وفي هذا السياق، قال الكيلاني إنّ السلاح مرتبط بالدولة الفلسطينية. وبصفتنا شعبًا واقعًا تحت الاحتلال، لنا الحق في مقاومة هذا الاحتلال والدفاع عن أنفسنا. وهذا الحق مكفول في جميع الدساتير والقوانين والأعراف الدولية، بما في ذلك قانون الأمم المتحدة (إذ تنصّ المادّة 51 على أنّ أي شعب يعيش تحت الاحتلال له الحق في مقاومة ذلك الاحتلال، بما في ذلك استخدام جميع أشكال القوّة، ومن بينها السلاح). وعليه، ما دمنا تحت الاحتلال، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا وبيوتنا وأرضنا. ردود الفعل الإقليمية والدولية
قوبل إطلاق اللجنة بتفاعل دولي واسع، وإن اتّسم بالحذر.
وقد لعبت مصر دورًا محوريًا في التوسّط للتوصّل إلى توافق حول تشكيل اللجنة، فيما جرى الإشادة بدور كلّ من قطر وتركيا في دعم جهود الاستقرار. غير أنّ مشاركة هذه الأطراف الإقليمية أثارت جدلًا داخل إسرائيل، حيث اعترض بعض المسؤولين الإسرائيليين على التمثيل التركي والقطري في مجلس السلام المُشرف على العملية.
وعلى الرغم من هذه التوتّرات، قدّم مسؤولون أميركيون اللجنة الوطنية لإدارة غزة بوصفها حجر الأساس للمرحلة الثانية من خطّة السلام الخاصّة بغزة، والتي تتضمّن بنودًا تتعلّق بنزع السلاح وإعادة إعمار واسعة النطاق. ومن المتوقّع أن تتكثف الجهود الدبلوماسية خلال الأشهر المقبلة مع انتقال اللجنة من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ. اللجنة الوطنية لإدارة غزة وصلاحياتها
أُنشئت اللجنة الوطنية لإدارة غزة في إطار خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين لإنهاء النزاع في غزة وتعزيز الاستقرار على المدى الطويل. وقد مُنحت شرعيتها رسميًا بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، ما وفّر لها غطاءً دوليًا افتقدته ترتيبات انتقالية سابقة. وتعمل اللجنة تحت إشراف متعدّد المستويات، إذ ترفع تقاريرها إلى الممثّل السامي للأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف، وإلى مجلس السلام المُستحدث برئاسة الرئيس ترامب، في صيغة تعكس توازنًا بين الملكية الفلسطينية والإشراف الدولي.
وتتولّى اللجنة إدارة المرحلة الانتقالية لما بعد النزاع في غزة، مع تركيزها على استعادة الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن الداخلي، وقيادة جهود إعادة الإعمار. وتشمل الأولويات العاجلة إعادة تشغيل الكهرباء والمياه، وقطاعات الصحّة والتعليم، وتقديم المساعدات الإنسانية، وإصلاح البنية التحتية المتضرّرة. أمّا الأهداف بعيدة المدى فتتمحور حول التعافي الاقتصادي، والإصلاح المؤسّسي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وترسيخ مبدأ سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد، تمهيدًا لعودة الحكم الكامل للسلطة الفلسطينية.
وتتألّف اللجنة من 15 خبيرًا فلسطينيًا من التكنوقراط المقيمين في غزة، برئاسة المهندس علي شعث. ويُعدّ التركيز على الكفاءة المهنية، بدلًا من الانتماء الفصائلي، عنصرًا محوريًا في هوية اللجنة المعلنة كهيئة غير حزبية شُكّلت بأيدٍ فلسطينية ومن أجل الفلسطينيين، وبدعم من منظّمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، وأبرز الفصائل الفلسطينية.
في الخلاصة، تمثّل اللجنة الوطنية لإدارة غزة محاولة براغماتية للتنقّل بين مرحلتي الصراع والتعافي من خلال حوكمة تكنوقراطية وإشراف دولي. وسيعتمد نجاحها على قدرتها على تحقيق تحسينات ملموسة في الحياة اليومية، وصون الملكية الفلسطينية للعملية، والعمل ضمن بيئة إقليمية شديدة التقلّب. فإذا نجحت، قد تشكّل جسرًا انتقاليًا نحو حوكمة فلسطينية موحّدة واستقرار طويل الأمد في غزة. أمّا إذا أخفقت، فإنّها تخاطر بأن تصبح مجرّد كيان انتقالي آخر مثقلًا بالقيود السياسية وتوقّعات لم تتحقّق.











































































