اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٣ شباط ٢٠٢٦
بعدما اعتاد اللبناني ترقّب ارتفاع سعر الدولار وكأنه مؤشر يومي لحياته المعيشية، بات اليوم يلاحق سعر أوقية الذهب، التي سجّلت في الأيام الماضية ارتفاعًا وُصف بالجنوني، ليعود وينخفض إلى ما دون الخمسة آلاف دولار. وعلى الرغم من أنّ الغالبية الساحقة من اللبنانيين لا تملك ذهبًا يُذكر، إلا أنّ هذا لم يمنع تحوّل سعره إلى مادة نقاش يومي، في بلد اعتاد أبناؤه مراقبة كل ما يرتفع سعره، ولو لم يكن في متناولهم أصلًا.
يوضح مصدر مطّلع عبر 'لبنان الكبير' أنّ 'ارتفاع سعر الذهب لا يعود إلى أسباب اقتصادية ومالية فقط، بل يرتبط بشكل أساسي بعوامل جيوسياسية عالمية. فالتوترات المتصاعدة على مختلف المستويات حول العالم، ولا سيما السياسات التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي غالبًا ما تُنتج أزمات مع دول عدة، تشكّل عاملًا أساسيًا في هذا الارتفاع. ويُشير في هذا السياق إلى ملفات شائكة مثل غرينلاند، وإيران، وفنزويلا، إضافة إلى عدم الاستقرار في العلاقات مع الصين وروسيا، فضلًا عن التوتر القائم مع الاتحاد الأوروبي وفرض الرسوم الجمركية المتكرّرة، ما يعكس مشهدًا عالميًا غير مستقر'.
هذه العوامل مجتمعة، بحسب المصدر، 'تعزّز توجّه المستثمرين نحو ما يُعرف بـ'الملاذات الآمنة'، وفي مقدّمها الذهب والفضة، الأمر الذي يرفع أسعارهما بشكل ملحوظ ويتيح للمستثمرين التحوّط من المخاطر عبر اقتناء المعادن الثمينة'.
ويؤكد أنّ 'هذا المسار مرشّح للاستمرار والارتفاع إلى مستويات أعلى في المرحلة المقبلة، في ظل غياب أي حلول جذرية في الأفق لهذه الأزمات الجيوسياسية'.
أما على الصعيد المحلي، فيلفت المصدر إلى أنّ 'لبنان يتأثر بهذا الواقع كما سائر دول العالم، لكن الإشكالية الأساسية تكمن في حجم التضخم العالمي المتوقع ومقدار ارتفاع مؤشر التضخم عالميًا. فالذهب والفضة يدخلان في صناعات وسلع متعددة، وارتفاع أسعارهما ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، ما يساهم في زيادة معدلات التضخم والأسعار عالميًا'.
وبما أنّ لبنان يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد من الخارج لتأمين معظم احتياجاته، فإنّ 'هذا التضخم العالمي يُترجم تلقائيًا إلى تضخم مستورد. فارتفاع أسعار الذهب والفضة المستخدمين في الصناعات يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الصناعية، وبالتالي إلى مزيد من الغلاء داخل السوق اللبنانية'.
ويشير المصدر إلى مفارقة لافتة، إذ إنّ 'معدلات ارتفاع أسعار الذهب والفضة تفوق بكثير مؤشر التضخم العالمي السنوي. ففي حين يبلغ متوسط التضخم العالمي حوالى 10% كحدّ أقصى، سجّل الذهب ارتفاعات تقارب 40% و50%، فيما وصلت الفضة إلى أكثر من 200% خلال سنة واحدة، إذ ارتفع سعرها من نحو 30 دولارًا إلى 120 دولارًا. أما الذهب، فانتقل من حدود 2500 دولار إلى ما يفوق 5000 دولار، أي بزيادة تقارب 100%'.
ويعتبر المصدر أنّ 'هذا الخلل غير سليم، إذ يؤدي إلى تضخمات إضافية على مستوى العالم. ومع ذلك، تنصح الأوساط المتابعة بالإبقاء على الذهب والفضة كأدوات ادّخار، نظرًا لاحتمال وصول الأسعار إلى مستويات أعلى مستقبلًا في ظل استمرار التوترات وعدم اليقين الاقتصادي والمالي والسياسي عالميًا'.
ويخلص المصدر إلى أنّ 'هذه العوامل ستقود إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الذهب والفضة وسائر المعادن، كما ستؤدي إلى إضعاف العملات، سواء الدولار أو اليورو أو أي عملة أخرى، إذ يُتوقّع أن تتفوّق عليها المعادن في المرحلة المقبلة، ما يعني أنّ العالم دخل فعليًا 'عصر المعادن' بقوة'.
بعد الارتفاع الجنوني الذي سجّله كل من الذهب والفضة، بدأ يظهر التراجع فيهما، إذ تدنّى الذهب إلى أقل من 5000 دولار للأوقية، فيما هوت الفضة بأكثر من 26% من قيمتها.
من هذا المنطلق، يوضح الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة عبر 'لبنان الكبير' أنّ الارتفاع السريع والجنوني الذي شهده الذهب خلال فترة قصيرة رفع منسوب المخاطر في الأسواق، ما دفع الشركات التي تمرّر الأوامر إلى البورصات إلى رفع الهوامش، الأمر الذي أدّى إلى ما يُعرف بـ'نداء الهامش'. ومع عجز عدد كبير من المستثمرين عن تأمين السيولة اللازمة لتغطية هذه الهوامش المرتفعة، حصلت تصفية واسعة للوضعيات (Liquidation)، ما فاقم من حجم عمليات البيع.
ويشير عجاقة إلى أنّ 'هذه العوامل ترافقت مع مشكلة سيولة في الأسواق، خصوصًا أنّ شركة 'أوراكل' كانت قد رفعت رأسمالها في العام الماضي، ما استقطب كميات كبيرة من السيولة. هذا الواقع أدّى إلى تسجيل حجم مبيعات مرتفع في سوق الذهب، تفاقم أكثر مع دخول عامل الذعر، إذ إنّ تراجع الأسعار السريع ولّد حالة خوف دفعت المستثمرين إلى البيع العشوائي'.
ويلفت إلى أنّ 'أسعار الأصول في الأسواق المالية تخضع لما يُعرف بـ'Mean Reverting Process'، أي أنّ السعر يميل، مهما ابتعد صعودًا أو هبوطًا، إلى العودة نحو معدّله العام. فكلما ارتفع الذهب بشكل مبالغ فيه، يعود لينخفض، أو العكس، إلى أن يستقر قرب هذا المعدل'.
أما في ما يخصّ التوقعات للفترة المقبلة، فيؤكد عجاقة أنّ الأسعار في الأسواق المالية تتبع ما يُسمّى 'Stochastic Process'، أي أنّه لا يمكن التنبؤ بها بشكل دقيق أو القيام بتوقعات حتمية. ومع ذلك، لا يستبعد استمرار تراجع الذهب في المدى القريب، نتيجة استمرار الذعر والمخاوف في الأسواق.
لكن في المقابل، يشدد عجاقة على أنّ 'الأساسيات المرتبطة بالذهب لم تتغيّر. فالعالم لا يشهد نموًا اقتصاديًا مستقرًا، في ظل الصراعات الجيوسياسية، ولا سيما التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، إضافة إلى التعريفات الجمركية التي فرضتها واشنطن. كما أنّ الغموض لا يزال يلفّ مصير الضربة الأميركية المحتملة على إيران، وهو عامل جيوسياسي أساسي يؤثّر بشكل مباشر على أسعار الذهب'.
وختم عجاقة بالتأكيد أنّ 'هذه العوامل الأساسية لم تختفِ، ما يعني أنّ الذهب، وبعد هذه الموجة من التراجع، لا يزال يمتلك مقوّمات العودة إلى الارتفاع'.
وبين تراجع تحكمه المخاوف وعوامل أساسية لم تتبدّل، يبقى انخفاض الذهب مرحليًا، بانتظار ما ستكشفه تطورات الأسواق والملفات الجيوسياسية في المرحلة المقبلة.











































































