اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٤ أب ٢٠٢٥
بيروت - ناجي شربل وأحمد عز الدين
قال رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت: «الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، ملتزمة بكشف الحقيقة كاملة، مهما كانت المعوقات ومهما علت المناصب. فالعدالة لا تعرف الاستثناءات، والقانون يطال الجميع من دون تمييز».
وأضاف عون: «في هذا اليوم الأليم، الرابع من أغسطس، نستذكر معا الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت، تلك الجريمة الكبرى التي هزت ضمير الأمة والعالم وأودت بحياة أكثر من 200 شهيد، وجرحت آلاف الأبرياء، ودمرت أحياء كاملة من عاصمتنا الحبيبة.
إننا اليوم نقف أمام أرواح الشهداء وأمام الجرحى وعائلاتهم، وأمام كل اللبنانيين، لنؤكد أن العدالة لن تموت، وأن الحساب آت لا محالة، لقد عاهدت الشعب اللبناني منذ توليت مسؤولياتي الدستورية على أن تكون محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة الكبرى أولوية قصوى، وألا يفلت من العقاب كل من تسبب بإهماله أو تقصيره أو فساده في هذه الكارثة الإنسانية، إننا نعمل بكل الوسائل المتاحة لضمان استكمال التحقيقات بشفافية ونزاهة، وسنواصل الضغط على كل الجهات المختصة لتقديم كل المسؤولين إلى العدالة، أيا كانت مراكزهم أو انتماءاتهم. أقول لعائلات الشهداء والجرحى: إن دماء أحبائكم لن تذهب سدى، وآلامكم لن تبقى بلا جواب.
العدالة قادمة، والحساب آت، وفي هذا اليوم الحزين، نتذكر أيضا التضامن الرائع الذي أظهره شعبنا العظيم، والروح الوطنية التي تجلت في أحلك الساعات حين هب الكثيرون يدا بيد لإسعاف المصابين ورفع الأنقاض والعناية بالذين صارت بيوتهم ركاما ومن ثم رفع آثار هذه الكارثة الكبرى. ان هذه الروح التضامنية نفسها ستقودنا إلى تحقيق العدالة وإعادة بناء وطننا على أسس العدل والشفافية والمساءلة».
في الأثناء، تفقد وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار مقر فوج إطفاء بيروت في الكرنتينا قرب المرفأ، وأعرب عن أمله في «ظهور الحقيقة في انفجار المرفأ والوصول إلى العدالة في أقرب وقت». وأكد أن «القضاء مستقل تماما والحكومة تدعم قراراته، وهناك تعاون بين جميع أجهزة الدولة».
من جهتها، أصدرت السفارة الأميركية في بيروت بيانا قالت فيه: «في الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت المأساوي، الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص وشرد الآلاف، نقف إلى جانب الشعب اللبناني في مطالبته بالمساءلة. ويستحق لبنان نظاما قضائيا مستقلا ونزيها ينصف الضحايا، لا أن يحمي النخب».
السفارة الفرنسية في لبنان أشادت بدورها بـ «الجهود المبذولة لكشف الحقيقة كاملة وتحقيق العدالة للضحايا وكل من أصابته هذه الفاجعة». كما أكدت أن «وضع حد للإفلات من العقاب يعد أمرا أساسيا من أجل نهوض لبنان. فمن دون عدالة، لا قيام لدولة القانون». كما دعت السفارة البريطانية في لبنان إلى «المساءلة وإلى تحقيق شفاف وسريع».
كذلك نقل أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين رسالة وجهها البابا ليو الرابع عشر إلى المشاركين في سهرة الصلاة على نية ضحايا الانفجار جاء فيها: «يؤكد البابا ليو الرابع عشر وبمناسبة الذكرى الخامسة للانفجار المأساوي في مرفأ بيروت، لكم ولجميع اللبنانيين قربه الروحي ومشاركته لكم في الصلاة.. ويدعوكم ان تطلعوا كأرز لبنان، رمز وطنكم، نحو السماء».
وشهد يوم أمس تحركات لأهالي الضحايا، استهلت بقداس في كنيسة مار يوسف بمدرسة الحكمة الأشرفية ترأسه مطران بيروت للموارنة بولس عبد الساتر. وتلته مسيرات في العاصمة قرب المرفأ.
ولم تحجب الذكرى الأليمة، اليوميات الحالية التي تغرق بها البلاد منذ الحرب الإسرائيلية الموسعة بين 20 سبتمبر و27 نوفمبر 2024، وما تلتها من تداعيات لم تحسم تثبيت وقف إطلاق النار من الجانب الإسرائيلي، الذي يطالب مدعوما من المجتمع الدولي بإزالة الأسباب التي أدت إلى الحرب الأخيرة وقبلها حرب يوليو 2006، وفي طليعتها نزع سلاح «حزب الله» وكل سلاح غير شرعي خارج سلطة الدولة اللبنانية، وفقا للقرار الأممي 1701.
وللغاية، تتجه الأنظار إلى جلسة مجلس الوزراء المقررة اليوم في بعبدا، والتي أدرج في طليعة جدول أعمالها بند حصرية السلاح. وقد سبقتها اتصالات للخروج بموقف موحد يراعي فيه لبنان طلب المجتمع الدولي وفي طليعته الولايات المتحدة الأميركية، والتي انضمت إليها فرنسا والمجموعة العربية، بالتشديد على ضرورة حسم الدولة اللبنانية ملفا لطالما رافق الأزمات اللبنانية الداخلية على اختلاف أنواعها منذ أواسط ستينيات القرن الماضي، انطلاقا من السلاح الفلسطيني، وصولا إلى سلاح «حزب الله».
وقبل ساعات من الجلسة، توالت المواقف من حلفاء «الحزب» الذين شددوا على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، في خطوة لم تفاجئ قيادة «الحزب» والمراقبين، وقد أعادت إلى الأذهان «الحسم رئاسيا» في يناير الماضي بانتخاب العماد جوزف عون رئيسا للجمهورية.
باختصار، تبدو الأرضية في لبنان نحو إجماع على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وجعلها تملك قرار «الحرب والسلم»، والخروج مما وصف سابقا بـ «دولة داخل الدولة».
وارتفعت أصوات منددة بـ «حرب الإسناد» لغزة التي أطلقها «حزب الله» منفردا في الثامن من أكتوبر 2023، في اليوم التالي لعملية «طوفان الأقصى».
وقال نائب فضّل عدم الكشف عن اسمه لـ «الأنباء» إنه «في الزمن الراهن زمن العواصف الإقليمية والأمواج العالية، من الأفضل إحناء الرأس وخفض الصوت، تماما كالقصبة التي تلوي أمام العاصفة»، مضيفا أن «الصمت أحيانا يكون أفضل الخيارات طالما الأجواء الإقليمية لا تزال ملبدة والصورة غير واضحة».
وعلمت «الأنباء» أن المواقف التي صدرت في اليومين الماضيين عن نواب يدورون في فلك «الثنائي الشيعي» والتي جاءت مختلفة ومخالفة لقناعاتهم ومواقفهم السابقة، لم تأت عن عبث، وإنما جاءت بناء على حث من «المجموعة العربية» الحريصة على تجنيب البلاد أوسع ضرر وخطر يتهددانها.
وكان هؤلاء النواب قد بدلوا في مواقفهم، بحيث دعوا إلى حصرية السلاح بيد الدولة ووجوب اتخاذ قرار في هذا الاتجاه تجنبا لتعريض لبنان لأخطار كبرى. وكانت الاتصالات تكثفت في الساعات الحاسمة والأخيرة قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء، والتي تعتبر بمثابة محطة تاريخية على مفترق طرق يؤدي إلى اتجاهات عدة. وتركز محور هذه الاتصالات بين رئيسي الجمهورية العماد جوزف عون ومجلس النواب نبيه بري، وتوسعت الدائرة لاحقا وشملت جميع الأطراف والقوى السياسية.
وفي وقت لم يحسم وزراء «الثنائي الشيعي» القرار بالمشاركة في جلسة الحكومة من عدمها، بانتظار آخر الاتصالات مع الحرص على عدم الذهاب إلى أي اصطدام، وضع المسؤولون في حساباتهم أن الأمور قد وصلت إلى نقطة تلاشت معها الحلول الرمادية. فإما الاتفاق على سحب السلاح في إطار جدول زمني قد يطول أكثر من نهاية السنة أو يقصر، ولن يكون له أي تأثير على السلطة اللبنانية في تعاطيها مع المجتمع الدولي. كما انه لن يشكل أي رفض من قبل القوى الراعية للحل في لبنان عربيا ودوليا طالما تم حسم أمر بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
هذه الأجواء جعلت المواطنين يعيشون حالة من حبس الأنفاس وخصوصا في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، والتي غادر الكثير من سكانها من خلال إيجاد منازل في المناطق القريبة، أو بالذهاب إلى مناطق بعيدة باستغلال أشهر الصيف، انتظارا لما ستؤول إليه الأمور.
وفي وقت لم يلق طرح عدم حسم الأمور في جلسة اليوم واستكمالها في جلسة الخميس قبولا، على اعتبار أنه ما لم يتم التفاهم عليه خلال أشهر لن يتحقق خلال 48 ساعة، فإن الخشية من تحركات شعبية دعا اليها ناشطون من أنصار «الثنائي» بالتزامن مع انعقاد مجلس الوزراء وما يمكن أن تؤدي إلى مواجهات، أو تشكل ضغطا على الحكومة في أسوأ الاحتمالات.