اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥
بيروت - داود رمال
يبدو المشهد في جنوب لبنان، وفق ما يتكشف يوما بعد يوم، أقرب إلى إعادة رسم دقيقة لمعادلة السرديات المتداولة حول الوضع الأمني جنوب نهر الليطاني. فبينما تصوب الاتهامات بشكل متكرر نحو لبنان بأن المنطقة تعج بالسلاح والمسلحين، تتقدم المعطيات الميدانية التي ترصدها قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب لتفرض مقاربة مختلفة، بل متماهية إلى حد بعيد مع الرواية اللبنانية الرسمية. هذا التلاقي يخلق واقعا جديدا لا يمكن تجاوزه في أي نقاش جدي حول مستقبل القرار 1701، وما يرافقه من تجاذبات سياسية وأمنية.
وقال مصدر ديبلوماسي لـ «الأنباء»: «المعطيات الأممية الأخيرة تشي بأن الصورة في الجنوب أوضح بكثير مما يراد لها أن تبدو في بعض الخطابات السياسية. فوفق ما تنقله البعثة الدولية، لا تشهد المنطقة أي نشاط عسكري منظم جنوب الليطاني، ولا يشير الرصد الجوي أو البري إلى وجود بنى تحتية جديدة أو تحركات ذات طابع قتالي. هذا التوصيف لا يترك مجالا للتأويل، بل يضعف الاتهامات التي تطلق بشكل دوري حول وجود مسلح أو انتشار منظم، وما تقوله اليونيفيل ينسجم مع ما تؤكده الدولة اللبنانية منذ سنوات».
وأشار المصدر إلى أن «أهمية هذه المعطيات لا تكمن فقط في نفي وجود نشاط عسكري، بل في الأرقام التي وثقتها البعثة الدولية حول الانتهاكات. فخلال سنة واحدة، تخطى عدد الخروقات المسجلة العشرة آلاف، ومعظمها صادر عن الجانب الإسرائيلي. وعلى رغم عدم تصنيف اليونيفيل الانتهاكات وفق معيار ثابت للخطورة، تظهر من خلال متابعتها اليومية أن بعض الخروقات تتسبب مباشرة بأضرار تمس المدنيين والبنى التحتية، وهذا ما يجعل ميزان المسؤولية في الجنوب واضحا للجهات الدولية المعنية».
ويتابع المصدر أن «تلاقي الروايتين اللبنانية والأممية يعزز الموقف اللبناني في كل النقاشات الدولية، خصوصا في ما يتعلق بمسؤولية الخروقات. فوجود قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وفق ما توثقه البعثة، يمثل خرقا جوهريا للقرار 1701، ويعتبر السبب الأساسي في تعطيل الدوريات المشتركة بين اليونيفيل والجيش اللبناني. وأن إقفال الطرقات المؤدية إلى مواقع البعثة وإلى نقاط انتشار الجيش يخلق واقعا ميدانيا متوترا ويفرض قيودا على تنفيذ المهام الدولية».
ولفت المصدر إلى أن «هذا التطابق بين الموقفين اللبناني والدولي يضع حدا للروايات التي تحاول تحميل الجنوب مسؤولية زعزعة الاستقرار. فالتقارير الأممية التي تتحدث عن عدم وجود تحركات عسكرية جنوب الليطاني تسقط عمليا الخطاب الذي يجري ترويجه عن «نشاط مسلح» داخل المنطقة.
وهذه النقطة تمنح لبنان ورقة قوة ديبلوماسية تستخدم حين يحاول البعض التذرع بالوضع الميداني للضغط سياسيا أو لفرض شروط تفاوضية جديدة.
ورأى المصدر أن «جوهر المشكلة التي تبقي الجنوب في دائرة التوتر يعود إلى استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، سواء عبر الغارات الجوية أو التوغلات البرية التي تعيق حركة اليونيفيل والجيش اللبناني». وأشار إلى أن «هذه الخروقات تنذر دائما بإمكانية إساءة الفهم، ما قد يجر المنطقة إلى تصعيد غير محسوب يعيدها إلى ما شهدته خلال العام الماضي. والنداءات المتكررة للبعثة الدولية للانسحاب من الأراضي اللبنانية تعكس حجم القلق الدولي من استمرار هذا الوضع.
وختم بالقول: يشكل التماهي بين الروايتين اللبنانية والأممية تحولا مهما في مقاربة المجتمع الدولي للوضع في الجنوب. فالإقرار الدولي بخلو المنطقة من أي نشاط مسلح ينسف محاولات تكريس سرديات مغلوطة، ويعيد النقاش إلى أصله، وهو ان الاستقرار يبدأ من احترام السيادة ووقف الاعتداءات، وليس من اختراع وقائع غير موجودة على الأرض. والمرحلة المقبلة قد تشهد تغييرا في لهجة بعض الأطراف الدولية، بعدما باتت التقارير الميدانية تشكل مرجعا ثابتا لا يمكن تجاهله في أي نقاش حول مستقبل الجنوب والقرار 1701.











































































