اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٧ شباط ٢٠٢٦
بقلم الشيخ مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية
يطلُّ علينا كل عام انقلابٌ من نوع آخر ، لا يُعلن عبر بيانٍ عسكري ، ولا تفرضه قوة غاشمة ، ومع ذلك يغيّر حياة ما يقارب ٢ مليار مسلم في لحظات.
إنه انقلاب رمضان… التحوّل الهادئ العميق ، الذي يهذب النفس ويطهرها من الآثام والشوائب والأخلاق السيئة ، ويضيق مسالك الشيطان عبر قطع الشهوة ، ويوقظ القلوب من سباتها ، فيذعن له الناس طوعا ، ويستقبلونه بالشوق بدل الرهبة.
وكم يرتج القلم تمايلاً وإنتشاءً ليكتب عن شهر رمضان المبارك الذي يحمل في طياته نفحات التقى والخير والبركات والرحمة والمغفرة والعتق من النار.
شهر ليس كغيره من الشهور عظمة ومثوبة وخيرات ومعان وعبر لا يتسع المقام لإيرادها، ويعلم بها معظمنا ، الذين ذاقوا فعلا أطايب هذا الشهر الفضيل سموا وروحانية ومكابدة ولا أشهى من إبتغاء مرضاة الله.
ويستعيد المسلمون في هذا الشهر المبارك أروع معاني الإلفة والتضامن والتكافل وصلة الرحم والحنو على المساكين والبذل للفقراء والمعوزين وتذكر الأرامل والأيتام ، ونشر البهجة في ديارهم ، فليس منا من لم يهتم بأمر المسلمين ، وليس منا من بات شبعانا وجاره جائع وهو يعلم حاله، كما أنذر عليه ﷺ ( ليس بالمؤمن الذي يشبع وجاره جائع الى جنبه)
وهكذا تتدافع الصور الرائعة خلال هذا الشهر المبارك نستذكر منها أنه حتى الأمس القريب كيف كانت المدن العربية والإسلامية تبدو وكأنها تعرضت لإنقلاب أبيض طاول أفرادها وأسرها وأحياءها وكافة نواحي حياتها وهي تتكيف مع مقتضيات هذا الشهر المحبب الى القلوب فترى الصائمين يتناجون بمحبة وود ، ولا أحد يتجرأ على الإفطار وإن كان من غير المسلمين إحتراما لقدسية الشهر العظيم.
أما الآن وللأسف فإن بعض أبناء جلدتنا الذين ضلوا الطريق وإبتعدوا عن تعاليم دينهم والإلتزام بأحكامه تجدهم يتباهون ويتفاخرون بالسيجارة ينفثون دخانها علنا في الشوارع والمكاتب والمقاهي لا يرعون حرمة الله وهم يظنون أنهم قد نجحوا في تحدي مشاعر الصائمين.
بالأمس كانت أيام الناس في رمضان يقضونها متنقلين بين مسجد وآخر يستمعون لهذا الخطيب المفوه ، او ذاك المحدث اللبق ، او ذلك المدرس الفقيه يقضون في جوارهم أمتع لحظات المعرفة والإستزادة في طلب العلم ، لينصرفوا الى حلقة تعليم القرآن الكريم ، وتلاوة جزء يوميا بإشراف كبار العلماء والمقرئين رحمهم الله.
واليوم تطيح الأوضاع الإقتصادية بأي إمكانية للعيش في هذه الأجواء حيث الجميع منهمكون في تدبر أحوال معيشتهم وهم متحرقون للإنصراف الى العبادة ومجاورة العلماء الواعظين..
رمضان الأمس بضع لقيمات عند الإفطار لنندفع بعدها الى صلاة العشاء والتراويح ، ثم زيارات صلة رحم ومودة .
فإجتماع العائلة على إستظهار آيات القرآن ، ومواعظ يسديها الآباء للأبناء يحثون فيها على الفضائل والمكرمات.
فيما اليوم ويا للهول ، يتسمر الناس أمام هواتفهم وأمام الفضائيات حتى ساعة السحور يحملقون في وسائل الإنترنت وفي المسلسلات والبرامج التي أعدوها خصيصا وإكراما لشهر رمضان في جميع الفضائيات، يحشدون فيها السخافة والإبتذال والفن الهابط وغيرها من البرامج الساذجة ..
رمضان الذي كنا نتلهف شوقا الى لقائه ما زال في الذاكرة إشراقة إيمان وومضة هدى ونفحة بركة ، وأجواء فياضة بالروحانيات والنشوة ، فلماذا يحاول البعض أن يشوه معالم هذا الشهر الكريم.
دعونا نستجم في رمضان المبارك ، نغسل نفوسنا وأرواحنا من أدران عام مضى لنجدد العزم على دوام الطاعات ، ولا تفسدوا علينا حلاوة رمضان وصفاءه ومقاصده وأجواءه
يقول النبي ﷺ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
اخوكم الشيخ مظهر الحموي
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى











































































