اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
في زمن الحروب لم تعد الجبهات محصورة بالصواريخ والمسيّرات ولا حتى بالمعلومات الاستخباراتية وتحليل الداتا، بل اتسعت لتشمل فضاء رقميًا لا تقل معاركه ضراوة عن ساحات القتال. تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب موازية تتصارع فيها المنشورات والصور والفيديوات وتدار عبر خوارزميات معقدة قادرة على توجيه ما يراه المتلقي وما يصدقه. وفي خضم هذا الفضاء الرقمي، برز دور المؤثرين الذين تحوّل بعضهم إلى ما يشبه أبواقًا مضخّمة للرسائل السياسية والدعائية، وتكثفت الحملات المنظمة التي تستخدم هؤلاء لتوجيه العواطف الجماعية وتغذية الانقسامات السياسية والطائفية.
اليوم بات واضحًا أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب الدور ذاته الذي كانت تتولاه وسائل الإعلام التقليدية بعد أن صارت هي مصدر المعلومة ولاعبًا أساسيًا في معادلات الحرب الحديثة، لا تكتفي بنقل ما يجري على الأرض، بل تساهم في تشكيل السردية حوله وتوجيه الرأي العام. وفي بلد كلبنان حيث الفضاء الرقمي لا يخضع لأية ضوابط يبقى السؤال: ما هي انعكاسات الفوضى على مجتمع يعاني أصلًا من انقسامات حادة؟
ليسوا بريئين
الخبيرة في الاتصال الرقمي دارين صالح تشرح أن الناس اليوم باتوا يطلبون المعلومة السريعة التي تؤمنها الفيديوات القصيرة ويتولى نشرها وتسويقها المؤثرون influencers. لكن ما لا يدركه المتلقي أن الغالبية الساحقة من هؤلاء المؤثرين يبغون الربح المادي ولديهم أهداف تجارية أو عقائدية ووراءهم منظمات أو شركات أو شخصيات وأفكار يسعون لتسويقها من خلال استراتيجية واضحة تؤمن لهم مصدر دخل مباشرًا أو غير مباشر. ليس معظم الناشطين والمحللين والصحافيين الذين نراهم ونسمعهم على وسائل التواصل بريئين أو تلقائيين إلا نسبة قليلة لا يتعدى تقديرها 10 % تعبّر عن رأي خاص فيما الغالبية يقف وراءها ممولون ومشغلون.
مع بدء الحرب، احتل المؤثرون الذين يقدمون محتوى سياسيًا وعسكريًا مواقع التواصل وتحولت منشوراتهم إلى مصادر للمعلومات، صحيحة كانت أم مزيفة، وإلى محركات للرأي العام وكل ذلك بناء على توجيهات المصادر إلى تحركهم. وقد بات واضحًا أن الفضاء الافتراضي يصبح أثناء الحروب والأزمات ملعبًا للذين يملكون قاعدة شعبية واضحة ولديهم إلمام بالسياسة وتزداد متابعة الناس لهم كون معظم الشعب اللبناني يفضل الحصول على معلومة سريعة بدل أن يقرأ تحليلًا عميقًا ولا سيما بين جيل الشباب.
لكن ما يلاحظ مؤخرًا وفق ما تؤكده الخبيرة في الاتصال الرقمي أن كل المؤثرين الشيعة الذين كانوا يطلون من الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني وأعدادهم كبيرة جدًا قد تراجع حضورهم الرقمي المرتبط باستراتيجية سواء كان سياسيًا او حزبيًا أو تسويقيًا بسبب النزوح. كما خف التفاعل معهم نتيجة تراجع كمية المحتوى الذي يقدمونه. لكن لا شك أن أعدادًا من المؤثرين والناشطين والإعلاميين المرتبطين بإعلام رقمي لا يزالون ينشرون محتوى سياسيًا وقد تأثروا أقل من سواهم من أبناء الضاحية والبئية التي نزحت. كما لوحظ أن المؤثرين الذين كانوا يتبنون قضايا مرتبطة بالمجتمع يحتاجها الناس في هذه الأيام ما زالوا قادرين على خلق محتوى يتفاعل معه الناس.
من جهة أخرى، وبالرغم من أن تفاعل الناس مع التلفزيون بشكل خاص يزداد خلال الحروب والمناسبات الرياضية الكبيرة. إلا أن من تركوا بيوتهم صار تفاعلهم مع الهاتف أكبر بكثير وعادت وسائل التواصل لتشكل المصدر الأول للخبر لا سيما وسط فئة الشباب وهي الفئة الأكبر والأشد التصاقًا بالهاتف.
سلطة الخوارزميات
لا شك أن ما نراه ونسمعه على مواقع التواصل كما تؤكد دارين صالح الاختصاصية بالاتصال الرقمي ليس بريئًا. واليوم، هناك حملات ممنهجة ومعدة سلفًا تهدف إلى تكوين الرأي العام. وفي ما مضى كان هناك ما يعرف باسم المتحدث الرسمي، اليوم صار هناك المؤثر الرسمي الذي ينقل على طريقته وجهة نظر الفئة التي يمثلها أو يستفيد من تمويلها. وليست معظم الفيديوات التي تنتشر بسرعة اليوم viral عفوية بل معدّة لإرضاء البرمجة الفكرية والانفعالية للناس سواء من هذه الجهة أو تلك. فأي (فيديو) مستفز يرضي تفكيرًا معينًا ينتشر بسرعة (كأن يخرج شخص من البيئة الشيعية لينتقد حزب الله أو أن يقوم سجال طائفي أو حزبي حاد بين مؤثر وآخر أو خلاف رأي بين صحافيتين معروفتين كما شهدنا بين ديما صادق ومريم البسام) .
تستغلنا الحروب الرقمية المبرمجة وتتلاعب بنا شئنا أم أبينا. وترسخ الخوارزميات قناعات معينة في أذهاننا وتضعف قدرتنا على التحقق والتفكير العقلاني .إذ بمجرد توقفنا لفترة معينة عند فيديو ذي اتجاه معروف فإننا سنستمر بتلقي فيديوات مماثلة بحيث تصبح نسبة 80 % من الأخبار التي نسمعها مصدرها الطرف الحزبي أو الطائفي الذي ننتمي إليه، كما يمكن لصورة واحدة أو مقطع مجتزأ أن يشعل عاصفة من الغضب ويعيد إنتاج خطاب الكراهية. وما حاول أهلنا لعقود تجنيبنا إياه على الصعيدين الطائفي والمذهبي، عادت الخوارزميات لتزرعه فينا بكل سهولة حتى تصبح مساحة التعاطف أضيق عندنا، فالآخر موجود فقط رقميًا، والضحايا ننظر إليهم من خلال الفئة التي يمثلونها، فيما على أرض الواقع يزداد التعاطف عبر التعاطي الإنساني والأخلاقيات التي باتت شبه مفقودة في العالم الرقمي .
لبنان غابة رقمية
في السياق الرقمي، لا بد من التنبه إلى أهمية التضليل الإعلامي ومدى تفشي الأخبار الكاذبة وما يُعرف بـ Deepfake الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء وتعديل صور وفيديوات وتسجيلات صوتية بحيث تبدو حقيقية تمامًا رغم كونها مفبركة. وحسب صالح باتت مواقع التواصل في لبنان تعتمد على هذه المواد ضمن استراتيجية مدروسة تهدف إلى التلاعب بالرأي العام وخلق حالة عاطفية عنده وأخذه في الاتجاه المطلوب. ومن الأمثلة على ذلك، إعادة إنشاء الشخصيات السياسية بالذكاء الاصطناعي ونسب مواقف إليها لم تقلها، أو توظيف الصور الكاريكاتورية الساخرة المُولَّدة رقمياً لتشويه صورتها وزرع قناعات مسبقة عنها في أذهان المتلقين، وكثيرًا ما يتداول المؤثرون هذا المحتوى لجمهورهم الواسع دون تحقق أو حتى بوعي تام وتوجيه مسبق. ومن الأمثلة على التخبط الرقمي، تحوّل مجموعات واتساب من فضاءات اجتماعية عادية إلى قنوات لنقل التحذيرات الأمنية يتشابك فيها الصحيح مع المزيف بلا أي تحقق. أما الجيوش الإلكترونية الحزبية، فهي ظاهرة راسخة في لبنان تمتلك موارد ضخمة وتنظيمًا محكمًا لنشر التضليل وإسكات الأصوات المعارضة. وتزيد منصات التواصل في الطين بلة إذ تكافئ خوارزمياتها المحتوى الأكثر إثارةً للمشاعر وتضخّمه، ما يجعل الخبر الكاذب المثير أسرع انتشارًا وأوسع وصولًا من الخبر الصحيح الرصين ويجتذب تفاعلًا أكبر.
وتزداد أهمية التضليل الإعلامي والتلاعب بالرأي العام، خلال الأزمات والحروب أو في موسم الانتخابات. والأخطر أن الساحة الرقمية في لبنان لم تكن بحاجة إلى تهيئة حين اندلعت الحرب، إذ كانت أصلًا مشحونة ومعبأة بفعل التحضيرات المكثفة للانتخابات النيابية التي كانت مقررة في أيار، حيث حشد كل طرف سياسي مؤثريه وجهّز مضامينه وبنى آلته الرقمية على أهبة الاستعداد. وحين اندلعت الحرب، لم تتوقف هذه الآلة بل تحوّل وقودها من سلاح انتخابي إلى سلاح حربي في لحظة واحدة.
ومن يراقب المجتمع الرقمي في لبنان اليوم وكمية الكراهية فيه والتقاذف الكلامي، يلاحظ أنه يساهم في زيادة الشرخ بين اللبنانيين أكثر مما فعلته وسائل الإعلام التقليدية على مر العقود السابقة، وذلك لأننا نعيش في غابة رقمية لا ضوابط لها كما تقول دارين صالح، إذ لا قوانين إعلامية رقمية واضحة وصريحة تضع حدًا للفلتان الرقمي الذي نعيشه. ففي لبنان أي إنسان، مؤثرًا كان أم شخصًا عاديًا، يمكنه أن ينشر ما يحلو له سواء كان حقيقيًا أم كاذبًا ومضللًا، وينشر آراءه ولو كانت تحمل حقدًا وشتيمة وأفكارًا مسمومة أو كانت موجهة من قبل جهات معينة تقف وراءها. وهذا ما خلق حروبًا رقمية على مواقع التواصل توازي بحدتها وسمومها الحرب الواقعية الدائرة على الأرض، وساهمت في تأجيج الخلافات الطائفية والحزبية وفتحت صراعات كبيرة لا نعلم كيف سيتم رأب صدعها لاحقًا.
وتضيف صالح: نجحت دول عدة في إرساء منظومات لتنظيم فضائها الرقمي، وتبرز تجربة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا لافتًا في هذا المجال. فبينما تواجه دول الخليج موجة من التهديدات الرقمية المرافقة للحرب، أطلقت حكومات المنطقة حملات ملاحقة قضائية ضد كل من يشارك أو يعيد نشر معلومات مضللة من مصادر غير موثقة. فمنذ مطلع 2026، بات المؤثرون في الإمارات ملزمين بنظام ترخيص مزدوج: رخصة تجارية وتصريح إعلاني من مجلس الإعلام الوطني، يشمل المحتوى المدفوع وغير المدفوع على حدٍ سواء. ويلتزم المرخَّصون بـ 20 معيارًا إلزاميًا تشمل احترام جميع الأديان، وصون سيادة الدولة ومؤسساتها وحقوق الخصوصية، وحظر كل محتوى يضر بعلاقات الإمارات الخارجية أو يزعزع الثقة العامة، فضلًا عن تجنب خطاب الكراهية والتحريض وعدم الترويج لأي نشاط غير مشروع. وحين يتم تسجيل أي شخص كصانع محتوى يوقع على هذه الشروط بإرادته ويعرف تمامًا ما له وما عليه. لذلك ما يُتداول عن مساءلة مؤثرين أو احتجاز بعضهم ليس تعتيمًا ولا تشديدًا استثنائيًا، بل تطبيق مباشر لقوانين وقعوا عليها مسبقًا.
وحين اندلعت النزاعات في المنطقة، تحرّكت السلطات الإماراتية بسرعة لافتة، وفعّلت استراتيجية إدارة الأزمة الرقمية فورًا وحصرت مصادر المعلومات بالجهات الرسمية. وحذرت من نشر أو إعادة نشر أي محتوى مضلل.
وهنا يظهر الفارق واضحًا مع لبنان الذي يعاني من غياب أي تشريع صريح ينظم وسائل التواصل الاجتماعي، ما جعل الفضاء الرقمي اللبناني مسرحًا لحملات تضليل ممنهجة تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي. والفارق بين الحالتين لا يعكس تفاوتًا في الحرية بقدر ما يعكس تفاوتًا في الجاهزية المؤسسية. فالحرية الرقمية، كما تؤمن صالح، ليست حقًا مطلقًا، بل هي مسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة معًا. وما يجري اليوم يثبت أن حربًا رقمية غير محكومة يمكن أن تكون بالغة الخطورة كالحرب الميدانية، وربما أشد غدرًا لأنها تستهدف العقول قبل الأرض.











































































