اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
خاص الهديل….
كهرمان….
لا يمكن النظر إلى حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في شمال حلب بوصفهما مجرد منطقتين سكنيتين، بل هما منذ أكثر من عقد عقدة سياسية ــ أمنية تختصر تعقيدات المشهد الحلبي برمّته. فالتنوع السكاني الكبير، والموقع الجغرافي الحساس، وتعاقب القوى المسيطرة، حوّل الحيين إلى اختبار دائم لأي معادلة استقرار تُطرح في المدينة.
تكمن حساسية الشيخ مقصود أولاً في جغرافيته. فالحي المشرف من تلة مرتفعة على طريق الكاستلو ومناطق صناعية وحيوية؛ وعلى الرغم من أن الحيان لا يقعان على طريق غازي عنتاب الدولي بشكل مباشر، إلا أنهما يشرفان على محاور حيوية ترتبط به، وأبرزها طريق الكاستلو والمداخل الشمالية لحلب، وهي عقدة مواصلات تاريخية تصل المدينة بالريف الشمالي ثم بالحدود التركية وصولاً إلى غازي عنتاب. لذلك فإن أي توتر أمني فيهما ينعكس فوراً على حركة هذه الطرق، وهذا ما يمنح من يسيطر عليه قدرة تأثير تتجاوز حدوده العمرانية. أما الأشرفية، باعتبارها الامتداد الأقرب والأكثر التصاقاً به، فقد تحولت تلقائياً إلى جزء من هذه المعادلة، لا يمكن فصل أمنها عن أمن الشيخ مقصود. هذه الجغرافيا وحدها كفيلة بتفسير لماذا بقي الحيان ساحة صراع وتفاوض في آنٍ معاً.
…لكن الجغرافيا ليست العامل الوحيد؛ فالتنوع السكاني الذي يضم أكراداً وعرباً وتركماناً، إضافة إلى نازحين من أحياء حلب الشرقية، فيما تشير التقديرات إلى أن عدد سكان الحيين يقارب 200 ألف نسمة، جعل أي احتكاك أمني أو سياسي مرشحاً للتحول إلى أزمة أوسع. ومع خروج الحيين عن سيطرة نظام الأسد منذ عام 2012، ثم استقرار النفوذ بيد قوات سوريا الديمقراطية عبر الأسايش(قوات الأمن الداخلي)، بات الشيخ مقصود والأشرفية خارج السياق الإداري التقليدي للمدينة، رغم بقائهما في قلبها الجغرافي.
وعليه فإن تعاقب الفصائل خلال أعوام 2013 إلى 2016، من المعارضة المسلحة إلى وحدات حماية الشعب، لم يرسِ استقراراً حقيقياً، بل عمّق واقع 'الإدارة المؤقتة' وكرّس حالة استثناء دائمة. وبعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، كان من المتوقع أن تشكّل هذه اللحظة فرصة لإعادة دمج الحيين بشكل كامل في مؤسسات الدولة السورية، إلا أن استمرار سيطرة قسد كشف حجم التعقيد الإقليمي والدولي المحيط بالملف.
الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في الأول من أبريل – نيسان الماضي بين الحكومة السورية وقسد بدا، نظرياً، خطوة في الاتجاه الصحيح. بنود تتحدث عن خروج القوات، وفتح الطرقات، وتبييض السجون، وإزالة السواتر، وإعادة دمج المؤسسات المدنية، كلها عناوين تحمل وعوداً كبيرة للسكان المنهكين من سنوات العزل والقلق. غير أن المشكلة لا تكمن في النصوص، بل في هشاشة التفاهمات نفسها، وسط ضغوط إقليمية تسعى لإعادة رسم الخريطة الأمنية في شمال سوريا وفق حسابات تتجاوز حلب وأهلها.
ما يجري اليوم في الشيخ مقصود والأشرفية يؤكد أن الحلول الجزئية لم تصنع استقراراً. فتح ممرات إنسانية لتأمين خروج المدنيين إجراء ضروري في لحظات التوتر، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن حل جذري يعيد للحيين وضعهما الطبيعي ضمن مدينة حلب، أمنياً وإدارياً وخدماً، دون استثناءات أو مناطق رمادية.
في المحصلة، يبقى السؤال الحقيقي: هل يُراد للشيخ مقصود والأشرفية أن يكونا جسراً لإعادة توحيد حلب، أم ورقة ضغط دائمة في صراع النفوذ شمال شرق سوريا؟











































































