اخبار لبنان
موقع كل يوم -النشرة
نشر بتاريخ: ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.
وبعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: 'عندما يخبرنا الإنجيلي متى أن الرب يسوع 'لما سمع أن يوحنا قد أسلم، انصرف إلى الجليل وترك الناصرة وجاء فسكن في كفرناحوم... ليتم ما قيل بإشعياء النبي' لا يصف لنا مجرد انتقال جغرافي في حياة الرب، بل يفتح أمامنا سرا خلاصيا عميقا'.
وذكر أنّ 'الجليل، 'جليل الأمم'، أرض اليهود فيها قليلون وغالبية سكانها وثنيون. إنه المكان الذي اختلط فيه النور بالظلمة، والإيمان بالوثنية، والرجاء بالضياع. هناك، حيث يظن الإنسان أن الله بعيد، يبدأ الرب يسوع خدمته العلنية، لأن الله لا ينتظر الإنسان في أماكن الطمأنينة فقط، بل ينزل إليه في أطراف الوجود، في ضعفه وقلقه وضياعه. ترك يسوع موطنه الناصرة وقدومه إلى أرض مظلمة هو صورة لنزول كلمة الله من موطنه السماوي نورا لجنس البشر، أسير شهواته وخطاياه التي صدعت صورة الله فيه وعرته من لباس الكمال الذي خلق عليه، وذلك تحقيقا لنبوءة أشعياء: الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما'.
وأضاف عودة: 'هذا النور ليس فكرة ولا تعليما مجردا، بل شخص حي. يشدد الآباء القديسون على أن المسيح لم يكتف بأن يعلم عن النور، بل أشرق هو ذاته كنور. يقول القديس كيرلس الإسكندري إن المسيح 'أضاء على الجالسين في ظلال الموت، لا بكلمات فقط، بل بحضوره المحيي'. هنا، يكمن جوهر البشارة: 'توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات'.
وقال إنّ 'التوبة في المفهوم الأرثوذكسي ليست شعورا بالذنب ولا ندما نفسيا، بل هي تحول في الذهن والقلب، وعبور من الظلمة إلى النور، ومن الإنغلاق على الذات إلى الحياة في الله باتخاذه المسيح قدوة في كل عمل وسلوك. إنسان اليوم، الذي يسابق الزمن وسط الضجيج والقلق، يشبه أهل الجليل بظلمة حياته. هو يعيش في عالم مفتوح كقرية كونية فيما شعور الوحدة يغمره، عالم مضاء بالتكنولوجيا لكنه مظلم بالنزاعات والحروب والفردية والمادية. عالم يضج بآلاف الأصوات، لكنه يفتقر إلى الكلمة المحيية. لذلك، تبقى دعوة المسيح راهنة: 'توبوا'، أي غيروا اتجاه حياتكم، أفسحوا للنور مكانا، دعوا الملكوت يقترب منكم لا كحدث مستقبلي فقط، بل كخبرة تعاش هنا والآن. يقول القديس إسحق السرياني إن: التوبة هي باب الرحمة، ومن دخلها خرج من ضيق هذا العالم إلى فسحة الله'.
وتابع عودة: 'من هذا النور المنسكب في الجليل، ننتقل مع الرسول بولس إلى رسالة اليوم، حيث تترجم الحياة في الملكوت إلى واقع كنسي ملموس. يقول: أذكروا مدبريكم الذين كلموكم بكلمة الله، تأملوا في عاقبة تصرفهم واقتدوا بإيمانهم'.
وشدد على أنّ 'الكنيسة لا تعيش في فراغ، ولا تبني ذاتها على أفكار متقلبة، بل على عقيدة ثابتة تسلم من جيل إلى جيل، منذ الرسل حتى رعاة اليوم، كما تبنى على الشهادات الحية التي خطها قديسون وآباء بحبر حياتهم، وعلى أناس صاروا بدورهم نورا لأنهم اقتدوا بالمسيح. الآباء والمرشدون والمدبرون ليسوا أبطالا معصومين، بل شهود للرب، اقتبلوا الإيمان وجاهدوا رغم الصعوبات والتجريح والإضطهادات، حتى أصبحت أقوالهم وأعمالهم تفسيرا حيا للإنجيل'.
وأضاف: 'الإنسان الذي لا يرتكز على ثبات المسيح، يتحول إلى إنسان مجرب باستمرار، يتنقل من فكرة إلى أخرى من دون أن يجد سلاما'.
وقال عودة: 'تتقدم الرسالة إلى عمق السر الإفخارستي حين تقول: 'إن لنا مذبحا لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه'. هذا المذبح هو صليب المسيح، الذي يبدو للعالم ضعفا، لكنه في الحقيقة قوة الحياة الجديدة. من هنا، تأتي الدعوة الصعبة والجميلة معا: 'فلنخرج إذا إليه إلى خارج المحلة حاملين عاره'. أن نخرج إلى المسيح يعني أن نقبل أن نكون على هامش منطق العالم، وأن نحمل صليب المحبة والصدق والحق في عالم قائم على الكذب والمساومة والمصلحة والحلول السهلة'.
وأوضح أنّ 'إنسان اليوم، رغم كل ظلامه، مدعو أن يرى النور العظيم، لأن المسيح الذي سكن في كفرناحوم الجليل ليبشر أهلها بالتوبة والخلاص، ما زال يسكن 'كفرناحوم' حياتنا، وما زال يقول لنا: 'توبوا فقد إقترب ملكوت السموات'، فافتحوا قلوبكم للنور، وجاهدوا لتكونوا أنتم أيضا نورا للآخرين'.











































































