اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
يواجه النظام الإيراني لحظة الحقيقة الأكثر قسوة منذ ثورة عام 1979. فلم يعد التهديد مجرد احتجاجات مطلبية أو ضغوط اقتصادية عابرة، بل بات زلزالاً سياسياً وجيوسياسياً يضرب أركان الدولة من الداخل والخارج. ومع حلول منتصف كانون الثّاني، تبدو طهران وكأنها قلعة معزولة بعد أن تهاوت أسوارها الإقليمية في غزة وبيروت ودمشق، ليبقى السؤال الكبير: هل تسعى واشنطن لإسقاط النظام بالكامل، أم أنها تبحث عن نسخة معدّلة منه؟
لا يمكن فهم ما يحدث في شوارع طهران اليوم بمعزل عن الانهيار الدراماتيكي لنفوذ إيران الإقليمي. خلال العامين الماضيين، شهد العالم تآكلاً متسارعاً لما كان يُعرف بمحور الممانعة:
- سقوط حماس ونهاية وحدة الساحات: تحولت غزة إلى واقع جديد جرد طهران من ورقة ضغط أساسية.- انحسار حزب الله: الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب في لبنان أدت إلى فقدان طهران لـ درّة تاجها وقدرتها على تهديد العمق الإسرائيلي.- السقوط المدوّي لنظام الأسد: شكل انهيار نظام البعث في سوريا الضربة القاضية، حيث فقدت إيران الجسر البري الذي يربطها بالبحر المتوسط، ووجدت نفسها مطرودة من ساحة استثمرت فيها المليارات لعقود.
هذا الفراغ الإقليمي انعكس مباشرة على الداخل الإيراني؛ فقد أدرك الشعب أن الهيبة الخارجية التي كان النظام يتذرع بها لتبرير القمع والفقر قد تبخرت، مما كسر حاجز الخوف بشكل غير مسبوق.
في 28 كانون الاوّل 2025، انطلقت شرارة الاحتجاجات من بازار طهران نتيجة انهيار الريال الذي تجاوز حاجز 1.4 مليون مقابل الدولار. لكن هذه المرة، لم تكن الشعارات اقتصادية فحسب، بل طالت رأس الهرم متمثلاً في المرشد الأعلى علي خامنئي.
الشمول الجغرافي والاجتماعي هو ما يميّز هذا الحراك؛ فالمظاهرات لم تقتصر على النخبة المثقفة في المدن الكبرى، بل امتدت إلى الأرياف والمناطق التي كانت تُعد تاريخياً خزاناً بشرياً للنظام، الذي يظل لهذه اللحظة متمترساً خلف الحرس الثوري، وهي قوة عقائدية وعسكرية متشابكة مع مفاصل الاقتصاد، مما يجعل أي محاولة للانقلاب الداخلي عملية معقدة ومحفوفة بمخاطر الحرب الأهلية، ما يعني فوضة من الصعب احتوائها.
تجد إدارة الرئيس دونالد ترامب نفسها أمام خيارين. من جهة، هناك رغبة جامحة في استغلال ضعف النظام لإنهاء النظام الإيراني الحالي مرة واحدة وللأبد، ومن جهة أخرى، هناك مخاوف حقيقية من سيناريو الفوضى.
- هواجس النموذج الليبي والعراقي: تدرك واشنطن أن انهياراً مفاجئاً وكاملاً للنظام قد يحول إيران إلى دولة فاشلة ضخمة. وبسبب التنوع العرقي (كرد، بلوش، عرب، وأذريين)، قد تنقسم البلاد إلى دويلات متصارعة، ممّا يهدّد أمن الخليج وإمدادات الطاقة العالميّة في مضيق هرمز.- البحث عن الرجل البديل: تشير بعض التحليلات إلى أن واشنطن قد تفضّل قطع رأس النظام سياسياً مع الحفاظ على هيكليّة الدولة. بمعنى آخر، الضغط من أجل صعود تيار عسكري أو سياسي من داخل النظام نفسه، يكون أكثر عقلانية وقبولاً للتفاوض حول الملف النووي والتدخلات الإقليمية، مقابل رفع العقوبات وضمان الاستقرار.
إن إيران اليوم تشبه فنزويلا في أوج أزمتها، لكن بوزن جيوسياسي أثقل بكثير. المرحلة القادمة ستكون حاسمة؛ فإما أن ينجح الضغط الشعبي والدولي في إحداث شرخ داخل المؤسسة العسكرية يؤدي إلى تغيير جذري، أو أن يدخل العالم في مغامرة عسكرية اخرة في مشروع الشرق الأوسط الجديد.











































































