اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
الانخراط في الدولة، حتى من موقع الجرح والتراجع، هو الطريق الأصعب لكنّه الأكثر جدوى. وحين يختار أيّ مكوّن لبناني أن ينقذ الكيان والدولة بدل الارتهان لمعادلات القوّة خارجها، فهو لا يتنازل، بل يحمي مستقبله.
بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990، دخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء الدولة وإنهاء الصراع الداخلي. لكنّ هذه المرحلة لم تكن متساوية بين جميع المكوّنات اللبنانية، إذ شعر جزء كبير من المسيحيين بأنهم خسروا الدور الريادي الذي كانوا يشغلونه قبل الحرب.
فهم هذه التجربة ليس مجرّد عودة إلى الماضي، بل محاولة لاستخلاص درس لبناني عميق: كيف يمكن لخيارات سياسية كبرى، أو لرفض التسويات الممكنة، أن تدفع جماعة كاملة إلى سنوات طويلة من الإحباط والعزلة والتراجع؟
قبل الحرب الأهلية، كان المسيحيون يشكّلون نحو 40% من سكّان لبنان، وكان لهم حضور مركزي في بنية الدولة، سواء من خلال رئاسة الجمهورية، أو الإدارات، أو الجيش أو الاقتصاد أو التربية. ومع اندلاع الحرب في عام 1975، بدأت تلك المكانة تهتزّ بفعل الانقسامات الداخلية والاقتتال والهجرة الواسعة والتحوّلات الإقليمية. وعندما وضعت الحرب أوزارها رسمياً باتّفاق الطائف في عام 1989، كان المشهد اللبناني قد تغيّر جذرياً، ولم يعد بالإمكان العودة إلى ما كان قائماً قبل الحرب.
اتّفاق الطائف لم يكن مجرّد تسوية دستورية، بل كان إعلاناً عن توازنات جديدة داخل لبنان والمنطقة. فقد أعاد توزيع الصلاحيات بين الرئاسات، وقلّص جزءاً من صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، وكرّس شراكة أوسع بين المسلمين والمسيحيين في الحكم. لكنّ جزءاً مهمّاً من الشارع المسيحي، ومعه قيادات نافذة في تلك المرحلة، رفض هذا الاتّفاق باعتباره تسوية قاسية جاءت على حساب الموقع المسيحي في الدولة.
إلا أن رفض الطائف لم يؤدِّ إلى تعديله، ولا إلى إسقاطه، بل قاد عملياً إلى عزل جزء واسع من المسيحيين عن مسار إعادة تكوين السلطة، خاصّة بعد الاقتتال المسيحي- المسيحي والانقلاب على الطائف الذي قادته سوريا بعد حرب العراق الأولى.
ثم جاءت محطّة الانتخابات النيابية في عام 1992، حيث قاطعت شرائح واسعة من المسيحيين الاقتراع، باعتبار أن الدولة واقعة بالكامل تحت الهيمنة السورية، وأن المشاركة لن تغيّر شيئاً. وبالفعل، لم تؤدِّ المقاطعة إلا إلى نتيجة معاكسة: فقد ضعف التمثيل المسيحي داخل المؤسّسات المنتخبة، وازداد الشعور بأن القرار الوطني يُصنع من دونهم، رغم أن التاريخ أثبت لاحقاً أحقية موقفهم الرافض للهيمنة السورية التي تحوّلت إلى احتلال كامل.
في تلك المرحلة، كان النفوذ السوري في لبنان في ذروته، وتكرّس أكثر بعد حرب الخليج، ثم بعد التحوّلات الإقليمية التي سبقت وتلت حرب العراق. وكانت دمشق تدير التوازنات اللبنانية بقبضة قوية، فيما بدت القيادات المسيحية إما في المنفى، وإما في السجن، وإما العزلة، وإما التشتت. هكذا وُلد ما عُرف لاحقاً بـ'الإحباط المسيحي'، وهو تراجع الثقة بالدولة، وتوسّع الهجرة، وانكماش الاستثمار في المستقبل المحلّي، وتنامي شعور بأن الجماعة فقدت تأثيرها ووزنها في تقرير مصير البلاد.
استمرّ هذا الإحباط حتى العام 2005، حين أُخرج الجيش السوري من لبنان تحت ضغط انتفاضة الاستقلال. عندها فقط بدأ المسيحيون يستعيدون شيئاً من المبادرة السياسية، ليس لأن كل شيء تغيّر فجأة، بل لأنهم عادوا إلى الحلبة الوطنية من داخل المؤسّسات لا من خارجها.
احتمال الإحباط الشيعي بعد الحرب:
هذه التجربة لا تتطابق حرفياً مع واقع الشيعة اليوم، لكنّها تحمل تحذيراً واضحاً. فالشيعة في لبنان يشكّلون اليوم ما يقارب 35% من السكّان، ويتمتّعون بثقل سياسي واقتصادي واجتماعي كبير، لكنّهم يواجهون في هذه المرحلة لحظة شديدة الخطورة. فالحرب في عام 2024، وتداعياتها المستمرّة، وما يرافقها من دمار واسع في القرى والبلدات والمؤسّسات، إلى جانب تراجع التمويل الإيراني، وتضرّر بنية 'حزب الله' التنظيمية والخدماتية، وسقوط نظام بشّار الأسد، تفتح الباب أمام تحوّلات عميقة داخل البيئة الشيعية نفسها.
والأخطر أن هذه التحوّلات قد تترافق مع موجة تهجير بفعل الحرب والقصف الإسرائيلي المستجد منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وما قد يخلفه من هجرة خارجية كبيرة، كما حصل سابقاً مع المسيحيين، خاصّة إذا شعر كثيرون أن المستقبل الاقتصادي والأمني في مناطقهم أصبح مهدّداً، وأن كلفة البقاء أعلى من كلفة الرحيل، خصوصاً إذا استمرّت الضغوط الدولية على رؤوس الأموال الشيعية في لبنان، وبقي 'حزب الله' مهيمناً على القرار السياسي داخل هذه البيئة.
وفي مثل هذا المناخ، يمكن أن يتولّد شكل جديد من الإحباط، ليس مسيحياً هذه المرّة بل شيعي: إحباط ناتج عن الدمار، وعن فقدان الثقة بالدولة، وعن الشكّ في أن المؤسّسات الرسمية قد تتحوّل من إطار حماية إلى إطار ضغط أو تضييق. لا سيّما وأن جزءاً من هذه البيئة نشأ على علاقة ملتبسة مع الدولة، بفعل فائض القوّة الذي فرضه سلاح 'حزب الله'.
غير أن هذا المسار ليس حتمياً، بل يمكن تجنّبه إذا بدأت داخل البيئة الشيعية نفسها نقاشات جدّية حول أولويات المرحلة المقبلة، بما يضع مصلحة لبنان واستقراره فوق أيّ اعتبارات أخرى، ويعيد التفكير في جدوى استمرار الصيغة العسكرية والعقائدية ذات البعد الإقليمي، في ظلّ كلفتها المتزايدة على المجتمع والدولة، بل في الحفاظ على نهائية الكيان اللبناني، والمساهمة الفاعلة في إعادة تكوين الدولة، وإعادة الإعمار ضمن تسوية تُنهي الصراع المسلح مع إسرائيل، وتمهّد لاتّفاق سياسي وأمني يُنهي أيّ وجود للسلاح خارج الدولة.
هذا القرار صعب وقاسٍ دون شكّ، خصوصاً لمن عانى مباشرة من جرائم إسرائيل ومن الحروب والخسائر والتهجير، ولا يمكن مطالبة الناس بأن ينسوا آلامهم وشهداءهم وخسائرهم أو يتجاوزوا ذاكرتهم بسهولة. لكنّ السياسة ليست فقط إدارة الذاكرة، بل أيضاً حماية أجيال المستقبل، وإذا كان الخيار بين استمرار الاستنزاف المفتوح وبين تسوية مؤلمة تحفظ ما تبقى من الجنوب ولبنان، ودور الشيعة الفاعل في الدولة، فإن الخيار الأقلّ كلفة على المدى البعيد قد يكون واضحاً، حتى لو كان مريراً في المدى القريب.
في هذا السياق، تكمن المشكلة في تبعية وعقائدية 'حزب الله'، وعجزه عن تقبّل محدودية الخيارات الواقعية المتاحة أمامه في الدولة اللبنانية. فحين تضيق الخيارات، تصبح الحكمة في اختيار أقلّها ضرّراً، لا في إنكارها ولا في قيادة معارك انتحارية. والمساهمة الشيعية الحقيقية في المستقبل اللبناني قد تبدأ من إعادة تثبيت موقع الدولة كضمانة للجميع، وكإطار وحيد قادر على تحصيل الحقوق، وفتح آفاق المستقبل، وإعادة إعمار الجنوب وحمايته.
في النهاية، لا يتعلّق الأمر بخسارة فريق أو انتصار آخر، بل بتفادي انزلاق جماعة لبنانية جديدة إلى دائرة الإحباط والعزلة التي عرفها لبنان سابقاً. التجارب التاريخية لا تتكرّر حرفياً، لكنّها تُظهر أن الانكفاء عن الدولة أو الارتهان لمعادلات خارجها، مهما بدا مبرّراً في لحظة ما، يفضي غالباً إلى تآكل الدور وتراجع القدرة على التأثير.
التحدّي اليوم لا يقتصر على إنهاء الحرب، بل على كيفية الخروج منها: هل يكون ذلك عبر إعادة إنتاج شروط الصراع نفسه، أم عبر فتح مسار مختلف يعيد الاعتبار للدولة كإطار جامع؟
ما سيحسم الإجابة ليس فقط موازين القوى، بل الخيارات التي ستُتخذ داخل كل بيئة لبنانية، وقدرتها على مراجعة تجربتها بواقعية. وفي هذا المعنى، فإن تجنّب الإحباط ليس مسألة قدر، بل نتيجة قرارات سياسية واجتماعية يمكن، إذا توفّرت الإرادة، أن تعيد رسم موقع كل جماعة داخل لبنان، على نحو يجنّب البلاد دورة جديدة من التراجع والانقسام.











































































