اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
على الرغم من تعدّد المسارات القانونية المتاحة لمساءلة إسرائيل دولياً، يبقى تفعيل بعضها رهناً بقرار سياسي لبناني، فيما يصطدم بعضها الآخر بقيود اختصاص المحاكم، أو باشتراط موافقة الدول، أو بضعف آليات تنفيذ القرارات. وقد تفضي بعض هذه المسارات إلى أحكام ملزمة، بينما يؤدي بعضها الآخر إلى إصدار آراء استشارية غير ملزمة قانوناً.
'سنقاضي الدولة اللبنانية أمام المحاكم الأميركية بحجة إيوائها منظمة إرهابية'.
هذه الجملة وردت على لسان رئيس الوفد الإسرائيلي، مخاطباً وفد التفاوض اللبناني خلال اجتماعات واشنطن، وتقف خلف تراجع الدولة اللبنانية عن حقها في مقاضاة إسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها ولا تزال ترتكبها في لبنان.
نائب رئيس الحكومة طارق متري قال إن هذا التهديد نقله إليه رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم.
بحسب لبنان الرسمي، شكّل هذا التهديد أحد العوامل التي دفعت الوفد اللبناني إلى قبول الصيغة الفضفاضة للمادة 13 من الإطار الثلاثي، التي تعهّد لبنان بموجبها بالامتناع عن اتخاذ خطوات قانونية أو سياسية دولية تعتبرها إسرائيل 'عدائية أو ضارّة'. وقال متري، خلال جلسة حوارية نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت: 'مقابل التراجع عن الدعوى المزعومة، تراجع لبنان عن حقه في مقاضاة إسرائيل'.
كان هذا التهديد أقرب إلى أداة ضغط تفاوضي منه إلى مسار قضائي واقعي قابل للتنفيذ أمام المحاكم الأميركية. ينطلق قانون حصانات السيادات الأجنبية الأميركي (FSIA) من تمتّع الدول الأجنبية بالحصانة أمام المحاكم الأميركية، ولا يمكن تجاوزها إلا ضمن استثناءات محدّدة. ولا يكفي اتهام لبنان بإيواء منظمة مصنّفة إرهابية لإسقاط هذه الحصانة، إذ صنّفته الولايات المتحدة رسمياً دولة راعية للإرهاب.
بنى لبنان أرشيفاً للانتهاكات من دون أن يمهد الطريق إلى المحكمة، فيما استُخدم تهديد قانوني إسرائيلي لتقييد خياراته القضائية. وأكد نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري أن ما يُسمّى 'اتفاق الإطار' لم يُعرض على مجلس الوزراء لإقراره، وبالتالي فهو غير ملزم للحكومة. وأوضح أن رئيس الحكومة نواف سلام فسّر المادة 13 بأنها 'تحول دون مقاضاة إسرائيل أثناء المفاوضات'، من دون أن تمنع اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني من مواصلة توثيق الانتهاكات أو اللجوء إلى القضاء في المستقبل. وشدد رئيس الحكومة على 'أنه إطار ثلاثي وليس اتفاقاً'، بحسب متري.
وفقاً للمحامي نجيب فرحات، تمنح المادة 52 من الدستور اللبناني رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض بشأن عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على ألّا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وفي بعض الحالات يستلزم الأمر أيضاً موافقة مجلس النواب. وبالتالي، يؤكد فرحات أن 'الوفد المفاوض لا يستطيع، من تلقاء نفسه، التنازل باسم الدولة اللبنانية عن حقها في مقاضاة إسرائيل أو تقييد قدرتها على اللجوء إلى المحاكم والآليات الدولية'.
منذ توقيع الاتفاق في واشنطن نهاية حزيران/ يونيو 2026، انشغل النقاش العام بحدود المادة 13، وما إذا كانت تُقيّد فعلاً حق لبنان في ملاحقة إسرائيل دولياً. لكن تفعيل أدوات الملاحقة القانونية ليس مرتبطاً فعلياً بوجود اتفاق إطار من عدمه، بل هو معلّق أصلاً بسبب غياب القرار السياسي اللبناني والدولي.
أما نص اتفاق الإطار، فهو 'مخالف للنظام العام الدولي، لأن الجرائم الدولية، ومنها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، لا تقبل التقادم، أي مرور الزمن، ولا التنازل'، بحسب ما أوضح المحامي نجيب فرحات لـ'درج'. وأضاف: 'إن التنازل عن حق لبنان ليس له قيمة قانونية، حتى ولو صادق مجلس النواب على هذه الاتفاقية'. وأكد رئيس مجلس النواب نبيه بري رفض التنازل عن حق لبنان في مقاضاة إسرائيل على جرائم الإبادة الإسرائيلية، قائلاً إن 'المخاطر الوجودية لا تعطي الحق لأي أحد في التصرف تحت أي عنوان، كاتفاق الإطار أو أي ملحقات سرية'.
بين وثائق اللجنة ومطرقة المحكمة
تعمل اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، التي أُنشئت بموجب المرسوم الصادر بتاريخ 21 حزيران/ يونيو 2010، برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الوزير طارق متري، وتستعين في مهمة توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بفريق من المتطوعين. ويشرح متري أن هذا التوثيق يكتسب أهمية وطنية ومعنوية، إذ يحفظ ذاكرة الضحايا ويحول دون تكرار تجربة الحرب الأهلية التي اقترنت بطمس الذاكرة الجماعية. ويكتسب التوثيق بعداً سياسياً أيضاً، إذ إن إسرائيل باتت تواجه عزلة دولية متزايدة بفعل توثيق اعتداءاتها. أما قانونياً، فيوفّر التوثيق مادة يمكن الاستناد إليها إذا فُتح مستقبلاً مسار للملاحقة القضائية.
في موازاة عمل اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، تعمل بعثة التقييم التي أرسلتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، على إعداد تقرير حول الانتهاكات الحاصلة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، تمهيداً لعرضه على مجلس حقوق الإنسان فور جاهزيته. لا يشكّل التقرير مساراً للمحاسبة، لكنه يعزّز السجل الأممي للانتهاكات، ويوفّر أساساً للمطالبة لاحقاً بإنشاء آلية تحقيق مستقلة أو للتحرّك أمام هيئات دولية أخرى. وتكتسب قرارات مجلس حقوق الإنسان أهمية سياسية ومعنوية، إذ تساهم في بلورة المواقف الدولية وتحديد أولويات مؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها وعملها الميداني.
واعتبر متري أن لإسرائيل سجلاً طويلاً من انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وأن لبنان ليس استثناءً. ولفت إلى أن مسؤولين إسرائيليين هم من هددوا مراراً بتسوية القرى والبلدات الجنوبية أرضاً أسوة بغزة. غير أن متري شدّد على ضرورة التمييز بين توثيق الانتهاكات وإثبات المسؤولية الجنائية عنها، إذ يبقى اعتبارها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية توصيفاً قانونياً محتملاً إلى أن تحقّق فيها جهة قضائية متخصصة وتصدر قرارها. في هذا السياق، تحدّث متري خلال الجلسة عن ثلاثة مسارات يمكن التحرّك من خلالها لمساءلة إسرائيل: المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، والجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يمكنها طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية.
عقبات سياسية وقانونية
في 26 نيسان/ أبريل 2024، أي قبل توقيع اتفاق الإطار بأكثر من عامين، قرّر مجلس الوزراء اللبناني، برئاسة نجيب ميقاتي، تكليف وزارة الخارجية بإيداع إعلان لدى المحكمة الجنائية الدولية، يقبل لبنان بموجبه اختصاص المحكمة في الجرائم الداخلة ضمن ولايتها والمرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. غير أن الحكومة السابقة تراجعت عن قرارها قبل تنفيذه. وبحسب متري، فإن 'الحكومة الجديدة لم تتراجع عن التراجع، ولا أعتقد أنها ستفعل'.
واستند قرار الحكومة السابقة إلى المادة 12(3) من نظام روما الأساسي، التي تتيح لدولة غير طرف فيه قبول اختصاص المحكمة ضمن نطاق زمني محدّد. لكن قبول اختصاص المحكمة لا يعني فتح تحقيق تلقائياً، كما أنه لا يتيح للبنان مقاضاة إسرائيل، إذ إنها تنظر في المسؤولية الجنائية للأفراد فقط. ويمكن للمحكمة النظر في الجرائم التي تدخل ضمن ولايتها أياً تكن هوية مرتكبيها، ما دامت قد وقعت على الأراضي اللبنانية خلال المدة المشمولة بالإعلان.
كشفت الأحداث المتتالية خلال الأشهر الماضية، بدءاً من العملية العسكرية الأميركية داخل فنزويلا، وما رافقها من إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما قسراً إلى الولايات المتحدة، وصولاً إلى العمليات العسكرية ضد إيران من دون تفويض من مجلس الأمن، عن هشاشة النظام القانوني الدولي وعجزه عن إخضاع الدول القوية للقواعد بالفاعلية نفسها التي تُطبَّق بها على الدول الأضعف.











































































