اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١٦ شباط ٢٠٢٦
ديما حسين صلح
لم يكن المشهد مجرّد نهائي برنامج، بل كان لبناناً كاملاً ينهض من تعبِه ليخطو دبكةً واحدة فوق قلب الليل.
في الحلقة الأخيرة من (يلى ندبك)على شاشة MTV، لم تتواجه أربع فرق فحسب،تلاقت أربع جغرافيات، أربع ذاكرات، أربع لهجاتٍ من الفرح.
برجا، العبادية، جذور الجنوب، وشمس بعلبك…
أسماءٌ بدت كأنها عناوين لقصيدة وطنية تُكتب بالاصالة قبل الحروف، وتُغنّى بالتصفيق قبل الكلمات.
حين أُعلنت النتائج، لم يكن الفوز رقماً، بل طاقةً انتشرت كشرارة في الحشود،تصدّرت برجا المشهد، تبعتها العبادية، ثم جذور، فشمس بعلبك في المرتبة الرابعة،لكن الترتيب بقي تفصيلاً صغيراً أمام حقيقةٍ أكبر،أن الشوارع امتلأت بالناس كما تمتلئ الساحات في الأعراس القديمة، وأن الشاشات العملاقة لم تكن لعرض الأداء فقط، بل لعكس وجوهٍ تشبه الوطن حين يبتسم بلا تحفظ.
رقص الناس حتى الصباح، لا لأنهم انتصروا، بل لأنهم تذكّروا كيف يكون الانتصار ممكناً.
ومع ذلك، بقيت لحظةٌ واحدة أكثر قدرةً على اختزال المعنى كله،رئيس فرقة شمس بعلبك، محمود صلح، محمولاً على الأكتاف، يرفع يافطة (يلى برجا يلى) ويرقص بها كمن يقدّم التحية لفوزٍ ليس له، لكنه يعنيه،في تلك اللحظة، سقطت صورٌ نمطيةٌ كثيرة دفعةً واحدة،بدا المشهد كأنه بيانٌ غير مكتوب، مفاده ان الفن لا يوزّع الانتماء، بل يوسّعه،لا يفرّق بين مدينةٍ وأخرى، بل يخلق مسافةً مشتركةً بين الجميع.
صحيحٌ أن الدبكة في الوجدان الشعبي تُنسب غالباً إلى بعلبك بوصفها خزّان الإيقاع والهوية، لكن ما حدث على المسرح وخارجه أعاد تعريف الفكرة نفسها.
الإبداع لم يكن حكراً على أرضٍ دون أخرى، بل كان نهرًا واحدًا تتعدّد منابعه،أبدعت برجا فاستحقت الصدارة، وتألقت العبادية وجذور الجنوب بحضورٍ متين، أما شمس بعلبك فقدّمت درساً آخر في المعنى،أن الفرح للآخرين يمكن أن يكون انتصاراً شخصياً أيضاً.
كشفت الحلقة الأخيرة أن لبنان، حين يرقص، لا يفعل ذلك هرباً من واقعه، بل استعادةً لقدرته على الحياة،فالموسيقى هنا ليست زينةً للصورة، بل لغةٌ أولى، لغةٌ تفهمها القلوب قبل العقول.
وفي زمنٍ تتراكم فيه الظلال على بعض المناطق، جاءت حركةٌ بسيطة على كتفِ صديقٍ أو خصمٍ أو جارٍ لتقول إن الصورة يمكن أن تتبدّل ببادرة، وأن الإيقاع قادرٌ على ترميم ما تُتعبه الأيام.
هكذا بدا الليل اللبناني أقرب إلى ساحةٍ واحدة،خطواتٌ متشابكة، أكتافٌ تتلاقى، وأعلامٌ غير مرئية تُرفع باسم الفرح.
لم يكن الفوز نهاية الحكاية، بل بدايتها،بداية إيمانٍ جديد بأن الفن، حين يُؤدّى بصدق، يصير وطناً صغيراً يتّسع للجميع.
وفي تلك الرقصة التي لم تتوقف حتى الفجر، كتب اللبنانيون سطراً إضافياً في سيرة حبّهم للحياة….سطراً لا يُقرأ، بل يُرقص…











































































