اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
تعمل الولايات المتحدة حالياً على حشد قوى دولية متحالفة معها بهدف حماية أهم الممرات البحرية في العالم والإشراف على أمنها بشكل دائم، في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. فواشنطن تدرك أن استقرار الاقتصاد العالمي يعتمد إلى حد كبير على بقاء خطوط الملاحة مفتوحة، خصوصاً في ثلاث عقد بحرية حساسة تشكّل الشريان الرئيسي للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب: مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس.
هذه الممرات الثلاثة لا يمكن النظر إليها كطرق ملاحة منفصلة، بل كمنظومة جغرافية متكاملة تشكّل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. فمعظم النفط والغاز الذي تنتجه دول الخليج يخرج أولاً عبر مضيق هرمز، الذي يُعد البوابة الرئيسية لصادرات الطاقة من الخليج العربي نحو الأسواق العالمية. وتشير تقديرات عديدة إلى أن نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية تمر يومياً عبر هذا المضيق الضيق الذي يفصل إيران عن سلطنة عُمان، ما يجعله أحد أكثر النقاط حساسية في خريطة الطاقة العالمية.بعد عبور هرمز، تتجه السفن عبر بحر العرب والمحيط الهندي لتصل إلى مضيق باب المندب، الذي يشكّل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. ويعد هذا المضيق حلقة أساسية في الطريق البحري الذي يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط وأوروبا. فأي اضطراب في باب المندب يؤدي عملياً إلى قطع الطريق البحري بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر، ما يجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو مسار أطول بكثير وأكثر كلفة.أما قناة السويس فتشكّل الحلقة الأخيرة في هذا الشريان البحري الاستراتيجي. فالقناة التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط تعد أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا، ويمر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية، بما في ذلك شحنات النفط والغاز والسلع الصناعية القادمة من شرق آسيا والمتجهة إلى الأسواق الأوروبية. ومن دون هذا الممر تضطر السفن إلى قطع آلاف الكيلومترات الإضافية حول القارة الأفريقية، ما يرفع كلفة النقل ويؤثر مباشرة في سلاسل الإمداد العالمية.بهذا المعنى، تعمل هذه الممرات الثلاثة كمنظومة مترابطة تتحكم بأحد أهم الطرق البحرية في العالم: النفط يخرج من الخليج عبر هرمز، ثم تعبر السفن المحيط الهندي وصولاً إلى باب المندب، ومنه تدخل البحر الأحمر لتصل إلى قناة السويس فالأسواق الأوروبية. لذلك فإن أي خلل في إحدى هذه العقد لا يبقى محصوراً في نطاق جغرافي ضيق، بل ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة والتجارة الدولية.
في هذا السياق تبرز أهمية هذه الممرات بالنسبة إلى الولايات المتحدة التي ترى في تأمينها مسألة استراتيجية تتجاوز مجرد حماية طرق التجارة. فاستقرار هذه العقد البحرية يعني الحفاظ على النظام الاقتصادي العالمي القائم على حرية الملاحة، وهو النظام الذي تعتمد عليه الاقتصادات الكبرى في أوروبا وآسيا. كما أن العديد من حلفاء واشنطن يعتمدون بشكل كبير على النفط والغاز القادم من الخليج عبر هذه الطرق البحرية.ولهذا السبب تسعى واشنطن إلى حشد تحالفات بحرية دولية واسعة بهدف حماية هذه الممرات والإشراف على أمنها بشكل دائم. ويتجلى ذلك في انتشار القوات البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي، إضافة إلى التعاون مع دول أوروبية وآسيوية للمشاركة في حماية الملاحة الدولية وتأمين مرور السفن التجارية وناقلات النفط.ويشير العديد من الباحثين إلى أن الولايات المتحدة، ضمن سياق حشد القوى الدولية المتحالفة معها، لن تقبل عملياً بأي واقع جيوسياسي يسمح بتهديد أمن مضيق هرمز أو باب المندب أو قناة السويس، لأن السيطرة أو التأثير في هذه النقاط يمنح نفوذاً مباشراً على حركة التجارة والطاقة في العالم.ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من التوترات المتصاعدة في المنطقة، ولا سيما في ما يتعلق بإيران والبحر الأحمر. فإيران تمتلك موقعاً جغرافياً حساساً يطل مباشرة على مضيق هرمز، فيما يرتبط أمن البحر الأحمر مباشرة باستقرار باب المندب والطريق المؤدي إلى قناة السويس. وبالتالي فإن أي تصعيد عسكري واسع في هذه المناطق قد يتحول بسرعة إلى صراع على السيطرة أو التأثير في هذه العقد البحرية الحيوية.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يرى عدد متزايد من الباحثين أن التوترات الجيوسياسية في هذه المنطقة قد تمثل ملامح ما يمكن تسميته “حرب القرن على الممرات البحرية”. ففي عالم يعتمد بشكل شبه كامل على النقل البحري لنقل الطاقة والسلع، تصبح المضائق والقنوات الاستراتيجية مفاتيح حقيقية للقوة العالمية. ومن يملك القدرة على حماية هذه الممرات أو تهديدها يمتلك في الواقع نفوذاً كبيراً على الاقتصاد الدولي بأكمله، وهو ما يجعل هرمز وباب المندب والسويس في قلب الصراع الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين.











































































