اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥
كتب ياسر هلال
يمثل توقيع اتفاقية ترسيم الحدود اللبنانية القبرصية خطوة حاسمة لتحرير قطاع النفط والغاز من أبرز المعوقات والمخاطر أيّ النزاعات الحدودية. كما تُسهم هذه الاتفاقية في إخراج لبنان مبكراً من دوامة الصراع المفتوح على كل الاحتمالات بين تركيا وقبرص على البلوكات المحاذية لمياهه البحرية. لكن هذا الإنجاز يبقى عرضة لمخاطر الضياع في متاهات الخلافات الداخلية. سواء عبر حملات التشكيك بدقة الترسيم استناداً إلى اجتهادات وادعاءات مخالفة لنصوص وقواعد قانون البحار. أو عبر «اللغط الدستوري» المتعلق بسعي الحكومة لإقرار الاتفاقية بدون المرور بمجلس النواب تخوّفاً من تعطيلها.
أولاً: أهمية بترولية وسياسيةتأتي الاتفاقية في التوقيت المناسب لمواجهة خطرين داهمين. الأول بترولي يتعلق باستغلال ثروة الغاز والنفط. والثاني سياسي يتعلق بالنزاع الحدودي والصراع السياسي بين تركيا وقبرص.
الاستثمارات البتروليةتشكل النزاعات الحدودية «الخطر رقم واحد» بالنسبة لشركات النفط الكبرى. لأنها مخاطر لا يمكن التحكم بها وقد توقف العمليات أو تنذر بمواجهات بحرية كما حصل مراراً بين تركيا وقبرص. لذلك تعتمد الشركات غالباً أسلوب «الاستثمار المحدود». أي الالتزام بضخ الحد الأدنى من الاستثمار في الحفر والتنقيب، وتحتفظ بهذه الأصول في محافظها الاستثمارية، من دون الانتقال إلى مرحلة التطوير المكلفة.
وهذا ما حصل في قبرص مع حقل «أفروديت» وغيره من الحقول المكتشفة. وما حصل كذلك في إسرائيل حيث لم تبدأ الشركات بتطوير الحقول الشمالية المحاذية للبنان، إلا بعد ترسيم الحدود البحرية معه.
وتكفي هذه المقارنات لتوضيح أن الترسيم يُعيد لبنان إلى خارطة الاستثمار بدل بقائه رهينة الغموض.
تجنب النزاع التركي – القبرصيمن أبرز مكاسب الاتفاقية أنها تسهم بإخراج لبنان من دوامة النزاع الحدودي والصراع السياسي بين تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية من جهة، وقبرص من جهة أخرى. وهو نزاع تطور في سنوات سابقة إلى مواجهات بحرية. حيث منعت البوارج التركية سفن الحفر من دخول بعض البلوكات المتنازع عليها.
ويمكن القول إن توقيع الاتفاقية يعني أن لبنان اعتمد الخيار الذي يحقق مصالحه، بعيداً عن الضغوط القبرصية – الأوروبية للتوقيع، وعن الضغوط التركية لعدم التوقيع.
ثانياً: إسقاط ادعاءات التفريط بالحقوقمنذ الإعلان عن مسودة الاتفاقية، ظهرت حملات تزعم أن الترسيم «يحرم لبنان» من آلاف الكيلومترات، اعتماداً على تفسير مجتزأ لأحد البنود الفرعية في قانون البحار يتعلق بعدم تناسب طول الشواطئ. باعتبار أن الشاطئ اللبناني أطول من الشاطئ القبرصي بمعدل 1.8 إلى 1. ما يستوجب بالتالي زيادة مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية.
وتواصلت هذه الحملات رغم توضيح الرئيس السابق لمحكمة البحار القاضي رودريغز وولفروم أمام لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية، أنه يمكن الاستناد إلى هذا البند في حال الرغبة بإثارة نزاع قانوني مع قبرص. ولكنه لا يضمن مطلقاً أن تأخذ المحاكم الدولية به. وما أشار إليه وولفروم تؤكده السوابق القضائية التي لم تُعطِ وزنًا لعدم تناسب طول الشواطئ إلا عندما يكون المعدل كبيراً جداً. كما أن ادعاء أن قبرص «جزيرة لا يحق لها منطقة اقتصادية» يناقض نص المادة 121 من قانون البحار ومعها السوابق القضائية كافة.
عسى أن يضع توقيع الاتفاقية حداً لحملات التشهير التي طالت اللجنة المكلفة بترسيم الحدود اللبنانية القبرصية. وهي حملة ظالمة ليس لها أي سند قانوني سليم، وتجاوزت الخطوط الحمراء السياسية والوطنية وحتى الأخلاقية.
ثالثاً: ملابسات التوقيع والإقرار بين الحكومة والبرلمانرغم أهمية الاتفاقية، ورغم موافقة الجميع عليها كما ظهر بإقرارها بالإجماع في مجلس الوزراء الذي يضم مختلف القوى السياسية. إلا أن الحكومة تتخوّف من تعطيل أو تأجيل إبرامها في مجلس النواب، ما يحوّلها إلى ورقة في ملف المساومات والمناكفات السياسية. وذلك ما يفسر الجو السائد لدى الحكومة بعدم إحالتها إلى البرلمان. وتستند في ذلك إلى رأي من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل بأنها ليست معاهدة دولية بل مجرد اتفاقية لترسيم الحدود البحرية. ولكن هذا المسعى يصطدم على ما يبدو بمعارضة واسعة حتى من القوى السياسية داخل الحكومة، التي تعتبر أن الاتفاقية تنطبق عليها كل شروط المعاهدات الدولية. وأهمها أنه يترتّب عليها تبعات مالية طويلة الأمد، ولا يتم تجديدها سنة بسنة.
ويمكن القول إن عدم إحالة الاتفاقية إلى مجلس النواب هو «خطأ دستوري» محتمل، ولكن تعطيل إقرارها في المجلس سيكون خطيئة دستورية واقتصادية ووطنية.
رابعاً: نحو شراكة لبنانية – قبرصية أوسعتشكل الاتفاقية منصة لمرحلة جديدة من التعاون مع قبرص، خصوصاً في تجاوز العقبة الثانية أمام الاستثمارات بعد حلّ النزاعات الحدودية وهي تأمين بنية تحتية للتصدير. ويمكن للبنان الاستفادة من شبكة الأنابيب القبرصية – المصرية التي يجري تنفيذها لإيصال الغاز إلى محطات التسييل المصرية.
والمطلوب في هذا السياق إنجاز الاتفاقية بالغة الأهمية التي قامت بإعداد مسودتها هيئة إدارة قطاع البترول، والمتعلقة باستغلال المكامن المشتركة. وهي خطوة استباقية تحسب للهيئة، وتسهم بتحويل هذه المكامن من مجال للخلافات والتعطيل إلى فرصة للتعاون والتسهيل.
والمطلوب أيضاً البحث في أسباب تعطيل إقرار مذكرة التفاهم في قطاع النفط والغاز الموقعة بين لبنان وقبرص في 2021، والعمل على تفعيلها وتطويرها. خاصة وأنها توفر إطاراً مؤسسياً دائماً وشاملاً للتعاون في كامل سلسلة القيمة لقطاع النفط والغاز، من الاستكشاف إلى الإنتاج والتسويق. كما نصت على إنشاء لجنة ثنائية لمتابعة التنفيذ.
ومن أهم المجالات الاستراتيجية التي تضمنتها المذكرة: تطوير بنى تحتية مشتركة أو مترابطة. وإقامة مشاريع عابرة للحدود تشمل خطوط أنابيب مشتركة. إضافة إلى تبادل الخبرات والمعرفة التقنية. وكذلك الإدارة المشتركة للموارد الهيدروكربونية، وإدارة الطوارئ والأزمات المرتبطة بعمليات الحفر والإنتاج.
لحظة يجب التقاطها… لا تبديدهااتفاقية ترسيم الحدود اللبنانية القبرصية، ليست خطوة تقنية فقط، بل محطة مفصلية في مسار استعادة لبنان لفرصة استثمار ثرواته البحرية. بإزالة المخاطر السياسية للنزاعات الحدودية، وفتح مجال واسع للتصدير، وإطلاق تعاون إقليمي مستقر مع قبرص ومصر، وفي مرحلة لاحقة مع سوريا وتركيا، هي عوامل تشكّل فرصة لخروج لبنان من الجمود الذي كبّله لأكثر من عقد.











































































