اخبار لبنان
موقع كل يوم -جنوبية
نشر بتاريخ: ٣ شباط ٢٠٢٥
تكتب الشاعرة الأميركية ايميلي ديكنسون في القرن التاسع عشر الأبيات الشعرية التالية: 'هناك من يقول بأن الكلمة تموت حين تُقال، أما أنا فأقول بأنها تبدأ بالحياة في ذلك اليوم'. هذه الأبيات الشعرية تصلح في الحقيقة كل يوم وفي كل زمان ومكان؛ مع العصر الإعلامي والعولمة كما في العصر الرقمي وصولاً ليومنا هذا مع الذكاء الاصطناعي. الكلمة قد تصبح سلاحاً والقلم (وربما الطباعة) أكثر تأثيراً من السيف وقد تؤذي فرداً، مجموعةً وبلاد. وقد تتحول إلى فعل مؤذٍ ويُطلق عليه اسم 'خطاب الكراهية'
ولبنان ليس بعيداً عن كلّ ذلك، فالكلمات سلاحٌ ذو حدّين يُمكن استخدامها لبناء جسور التفاهم أو لإشعال نيران الكراهية والانقسام.
ومع تفاقم الأزمات من الحروب إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي، تصاعد خطاب الكراهية بأنواعه المختلفة، ما يُشكّل تهديداً خطيراً على المجتمع. ويلعب الإعلام، بكلّ أشكاله الجماهرية ومنصات التواصل الاجتماعي، دوراً مُزدوجاً في هذا السياق، فهو قادرٌ على أن يكون وقوداً يُغذي الكراهية، أو أداةً لتهدئة النفوس والحفاظ على النسيج الاجتماعي.
سنُسلّط الضوء في هذا التقرير على تأثير الأزمات على خطاب الكراهية، ودور الإعلام في تعزيزه أو كبحه، مع الإشارة إلى القوانين اللبنانية والدولية المُتعلّقة بهذه الظاهرة ومدى فعاليتها، بالإضافة إلى طرح بعض الحلول العملية.
تتعدد الأشكال والتأثير خطرة: ما هو خطاب الكراهية؟
خطاب الكراهية آخذ في الازدياد، ويقول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن الكراهية خطرٌ محدق بالجميع – ولذلك لا بد أن تكون محاربتها فرضاً على الجميع'
وتتعدد أشكال خطاب الكراهية وتتنوع تأثيراتها على الأفراد والمجتمعات، ومن أبرزها:
التحريض على العنف: يُعد أخطر أشكال خطاب الكراهية، ويُستخدم لدفع الأفراد إلى ارتكاب العنف خصوصاً في النزاعات الطائفية والسياسية في لبنان، ما يؤدي الى تهديد السلم الأهلي.
التمييز: يكرّس الانقسامات على أسس دينية ، طائفية ، أو اجتماعية ، ويشمل أي معاملة غير عادلة ضد أفراد أو مجتمعات، ومن الأمثلة البارزة، قرار من وزارة الداخلية اللبنانية الذي صدر قبل حوالي عامين بمنع 'التجمعات التي تروج للشذوذ الجنسي' بحسب تسميته. وقد أدانت عدة مراكز هذا القرار ومنها المركز اللبناني لحقوق الإنسان في 25 حزيران 2022 حينما طالب بإلغاء المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني.
التنمر الالكتروني: ينتشر على المنصات الرقمية ويستهدف الفئات المستضعفة مثل الاطفال والنساء والأقليات، مما يؤدي إلى أضرار نفسية خطيرة.
التشهير بالمستضعفين والمستضعفات: يستهدف هذا النوع من الخطاب الفئات الضعيفة ويستغل النفوذ للإضرار بسمعتها مما يسبب خسائر اجتماعية ومهنية كبيرة.
هل هنالك من دور للإعلام في تأجيج أو تهدئة خطاب الكراهية خلال الأزمات؟
في وقت الأزمات، يصبح الإعلام محط أنظار حيث تتضاعف مسؤولية العاملات والعاملين فيه من أجل التأثير الإيجابي على التفكير النقدي للرأي العام. بالرغم من ذلك لا تتحقق الآمال المرجوة في مختلف الاوقات. ويتم استخدتم وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار المضللة وتعزيز الإنقسامات، ما قد يفاقم خطاب الكراهية في المقابل، يمكن للإعلام أن يكون أداة للسلام والعيش معاً، يشجع على الحوار بين المواطن/ة كما المقيم/ة، عبر بث خطاب إيجابي يعزز التعاون بين الناس بغض النظر عن الانتماء الديني؛ ويمكن أن يكون المساحة التي تمشر حملات توعية، وتقدم تغطية اعلامية متوازنة تعرض وجهات نظر متعددة. هذه المقاربة لا يمكن أن تحقق مبتاغاها دون تشريع وبث ثقافة حقوقية أساسية في لبنان، حيث يحترم الجميع القانون ويُطبق بعدل؟
تشريعات غير كافية
يُعاني لبنان من فراغ تشريعيّ فيما يتعلّق بمواجهة خطاب الكراهية، فالقوانين الحالية، وإن كانت تتضمّن بعض المواد التي تُجرّم أفعالاً تُؤدّي إلى إثارة النعرات والنزاعات، إلا أنها تُركّز بشكلٍ أساسيّ على التحريض الدينيّ، مُتجاهلةً أشكالاً أخرى من الكراهية قد تكون أعمق وأكثر انتشاراً.
فعلى سبيل المثال، تُجرّم المادة 317 من قانون العقوبات كلّ فعل يهدف إلى إثارة النعرات الطائفية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف، بينما تُجرّم المادتان 386 و385 القدح والذمّ والإهانة بحقّ الأفراد والجماعات والمؤسسات العامة والمسؤولين الرسميين.
لكن في ظلّ غياب تشريعات عصرية وقانون إعلام يُحاكي تطوّرات العصر، تبقى هذه المواد عقابية بطبيعتها، ولا تراعي الطبقات الاجتماعية المختلفة، بل تُركّز على حماية من هم في السلطة أولًا.
وعلى الصعيد الدوليّ، صادق لبنان على العديد من المعاهدات التي تُجرّم خطاب الكراهية وتُعزّز حرية التعبير، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وإعلان بيروت للإعلام وخطاب الكراهية.
لكن يبقى السؤال الأهمّ، كيف يُمكن تفعيل هذه القوانين والمعاهدات على أرض الواقع؟ وكيف يُمكن للإعلام أن يلعب دوراً إيجابياً في مُكافحة خطاب الكراهية ونشر ثقافة المواطنة والمساواة؟
المواجهة في الإعلام اللبناني
رغم وجود قوانين تُجرّم خطاب الكراهية في لبنان، إلا أن تطبيقها، خاصةً في الأوقات الحرجة، يُواجه صعوبات بسبب الضغوط السياسية، وحسب تقرير مؤشر ملكية وسائل الإعلام في لبنان، تساهم السيطرة السياسية على الإعلام في تعزيز الاستقطاب الطائفي وتعميق خطاب الكراهية، وذلك لارتباط بعض وسائل الإعلام بشخصيات سياسية أو أحزاب.
كما يُلاحظ غياب قوانين تُعنى بشكلٍ مباشر بمكافحة خطاب الكراهية، فالآليات القانونية الحالية مُشتتة ضمن تشريعاتٍ مختلفة، وهذا ما يُبرز – في ظلّ الأزمات المُتكرّرة – أهمية إقرار قانون خاصّ بخطاب الكراهية لضمان مُحاسبة المُتجاوزين بشكلٍ فعّال.
ولا يقتصر تأثير خطاب الكراهية على الجانب العاطفيّ، بل يتعدّاه إلى التأثيرات النفسية والاجتماعية. فوفق تقرير مؤسسة سمير قصير، رصد خطاب الكراهية حيث يُعمّق هذا الخطاب مشاعر العزلة والخوف لدى المُستهدفين، ويُعزّز التهميش والرفض الاجتماعيّ خصوصًا في ظلّ الأزمات.
ولمواجهة هذه الظاهرة، لا بدّ من اتخاذ خطواتٍ جادة، منها:
أخيراً، مُواجهة خطاب الكراهية ضرورةً مُلحّة لضمان وحدة المُجتمع اللبنانيّ، فاللغة المسؤولة التي تقدم حقوق الانسان أينما كان قادرة على صنع التغيير، وبناء مُستقبلٍ يقوم على أسس العدل والمساواة، والمهنيّة. مسؤولية تقع علينا جميعاً.











































































