اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥
في عالم الأدب، حيث تتشابك الكلمات مع الأحاسيس وتلتقي العقول مع العواطف، يبرز الأدب الموجّه للأطفال كأحد أسمى أشكال التعبير. فهو لا يقتصر على تسلية القلوب الصغيرة، بل يسعى إلى توجيهها نحو القيم الإنسانية، غرس الأمل، وتوسيع الأفق. في هذا الحوار، نلتقي مع الكاتب والقاصّ اللبناني بيار فاضل، الذي استطاع أن يمزج بين الطفولة والتجارب الإنسانية العميقة في قصصه. من خلال عمله في مجال أدب الأطفال، تلمس أصابعه على مواضيع حسّاسة، مثل فقدان الذاكرة، بطريقة لا تُثقل على القارئ الصغير، بل تدفعه للتفاعل بإيجابية وحنان.
أردت الغوص في تجربته الأدبية، واكتشاف كيف يرى مستقبل أدب الطفل العربي في ظل التحديات التي يواجهها الجيل الجديد. كما يتناول فاضل في حديثه العلاقة بين الكلمات والرسوم في بناء عالم القصّة، وكيف يمكن أن تكون التفاصيل اليومية أداة للترابط بين النص والطفل القارئ ومعه أجريت هذا الحوار:
{ هل كانت لديك تجربة شخصيّة ألهمَتك لكتابة القصة؟
- في 2018، خلال تحضير رسالة الماجستير وموضوعُها لغةُ مرضى ألزهايمر في لبنان، التقيْتُ عدداً من المرضى الذين تركوا فيّ أثراً كبيراً. من بينهم مريضةٌ سبعينية، كانت تنسى الأحداث والأشخاص والكلمات، لكن تتذكّر مقطعاً واحداً من أغنية «يا ورد مين يشتريك» لمحمّد عبد الوهاب. بقيَت حالة هذه السيّدة عالقة في ذهني لسنوات حتّى قرّرْتُ وضعَها في قصّة.
{ كيف استطعت أن تتناول موضوعاً صعباً مثل فقدان الذاكرة في نصّ موجّه للأطفال دون أن تُثقل عليهم بالمأساة؟
- حاولْتُ أن أتناول الموضوع من زاوية تُشعر الطّفل بالأمل لا بالحزن. بعد بلوغ ذروة العقدة، وقد فقدَت الجدّةُ في النصّ قدرتَها على الكلام، وضعْتُ أكثرَ من حلّ ساعدَ على التّخفيف من وطأة المشكلة. الحلّ هنا يمثّل الأمل الذي يجعل الأطفال يتعاملون مع المواضيع الكبرى بإيجابية وهدوء. إلى جانب ذلك، سادت نبرةٌ مرِحة فيها غناءٌ ومزحٌ ولعبٌ وضحك، مثل تلك اللحظة التي تطلق فيها الأخت صرخةً فتطيّر الهرّ (اسمه فلافل) من مكانه. كنت حريصاً على هذه التفاصيل لألطّف الأجواء وأكسرَ من حدّة الموضوع.
{ حين بدأت كتابة القصة، هل كنت تفكّر في الطفل القارئ أولاً، أم في الجدّة التي تمثل رمزاً للحب والذاكرة؟
- قبل أن أبدأ الكتابة، ركّزْتُ على الجدّة وبنيْتُ شخصيّتَها وعالمَها. أمّا أثناء الكتابة، ومع وضوح ملامح الجدّة، أصبح الطفلُ القارئُ محورَ اهتمامي، لأنني أكتب له وأتوجّه إليه. فكّرت في كيف سيتلقّى كلّ كلمة وجملة وفكرة، كلّ حرف جرّ وكلّ نزلة على السطر، لضمان أن يصل النصّ إليه بوضوح وسلاسة وجمال.
{ هل كنت تسعى لتوعية الطفل بمرض الشيخوخة أم لتربية مشاعره على التعاطف والحنان؟
- الهدف الأسمى أن يستمتع الطفل بالقراءة، ثمّ يدرك بعد ذلك أنّ الحبّ والدعم المتبادل داخل العائلة هما الأساس لتجاوز الصّعاب مهما بدت شديدة. في القصّة، يرمز مرض ألزهايمر إلى أيّ مشكلة قد تطرأ على حياة الطفل وتؤثر في بيته وعائلته.
{ القصة تميل إلى الأسلوب الواقعي الإنساني أكثر من الخيالي، وهو خيار نادر في أدب الأطفال، لماذا اخترت الواقعية بدل الحكاية الرمزية أو الخرافية؟
- من خلال متابَعتي لما يُنشر، لا أرى الواقعيّة خياراً نادراً. أمّا في قصّتي، فأردْتُ أن يخوض الطفلُ التجاربَ مع الشخصيات ويتماهى معها ويحاكي مشاعرها وتصرّفاتها. سعيت إلى أن تكون أصغر التفاصيل واقعيةً وقريبةً من عالمه، مثل أصناف الطعام على مائدة العشاء، وتحديداً نوع الجبنة، ليشعر الولد بأنّ القصّة امتدادٌ لحياته اليومية وليست حكايةً غريبة عنه.
{ هل تعتقد أن الرّسوم قادرة على إيصال الرسائل مثل الكلمة؟
- بالتّأكيد، حتّى إنها تستطيع أن تقول ما لا تقوله الكلمة. فالرسّام ليس دائماً ناسخاً للنصّ، بل خالقٌ لأبعاد جديدة قد لا يتطرّق إليها المؤلّف. الرسّام أحياناً كاتبٌ ثانٍ.
{ إذا طُلب منك الإشراف على النسخة المصوّرة، ما الألوان أو الرموز التي تحبّ أن تعبّر عن «عالم الجدة»؟
- في «هاشيت أنطوان» كان هناك تنسيق وحوار مستمرّان مع فريق التحرير الممثَّل بمارينا بجّاني، حول النصّ والرسوم والإخراج والتركيب. لم ينفردوا بأيّ قرار في أيّ مرحلة من مراحل النشر. ولهذا، أنا راضٍ تماماً عن النسخة الأخيرة في المكتبات.
{ كيف ترى مستقبل أدب الطفل العربي وما الذي يحتاج إليه ليواكب التحديات التربوية والتقنية؟
- لست قلقاً على مستقبل أدب الطفل العربي، فالمواهبُ كثيرة، والنصوص والرسوم متنوّعة ومميّزة. أنا قلقٌ على مستقبل الطفل العربي في ظلّ الحروب والأزمات التي تحيط به. قبل أن نقدّم للطّفل قصّة، علينا أن نوفّر له الأمان في غرفته وبيته حيث يقرأ. منذ فترة، سألَتْني ابنة أختي، وهي في الثامنة من عمرها: «كيف نميّز بين صوت طائرة إسرائيل وطائرة السّفر؟». هذا السؤال يلخّص مخاوف أطفالنا اليوم.
{ هل من أعمال جديدة لك؟
- لديّ نصوصٌ قصصيّة ومسرحيّة جاهزة. مؤخّراً أرسلْتُ إلى ناشري نصًّا يعالج موضوعاً حسّاساً وجديداً، وهو حالياً بين يدَي لجنة القراءة.











































































