اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
كتب المحامي ميشال فلاّح لموقع الصدارة نيوز…
لم تعد الحرب في غزة تطرح سؤالاً عن مشروعية استخدام القوة أو قواعد حماية المدنيين فحسب. ثمة سؤال أبعد وأخطر بات يواجه النظام القانوني الدولي نفسه: ماذا تبقى من سلطة القانون عندما تصدر أعلى الهيئات القضائية الدولية قراراتها، ثم تكتشف أن تنفيذها يتوقف، في نهاية المطاف، على إرادة الدول؟
منذ اندلاع الحرب في أعقاب هجمات السابع من تشرين الأول 2023، انتقل جزء أساسي من المواجهة من الميدان إلى لاهاي. هناك، تعمل مؤسستان قضائيتان مختلفتان غالباً ما يجري الخلط بينهما: محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة وتفصل في المنازعات بين الدول؛ والمحكمة الجنائية الدولية، التي تختص بالمسؤولية الجنائية للأفراد عن الجرائم الدولية الأشد خطورة.
وفي الحالتين، أظهرت غزة مفارقة أساسية في بنية العدالة الدولية. القانون قادر على تحديد الالتزامات وإصدار القرارات، لكنه لا يمتلك جهازاً تنفيذياً مستقلاً يفرضها بالقوة.
من جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية
في 29 كانون الأول 2023، أقامت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، استناداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، متهمة إسرائيل بانتهاك التزاماتها بموجب الاتفاقية في قطاع غزة. ولم تحسم المحكمة حتى اليوم مسألة ما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية. وهذه نقطة قانونية ينبغي التشديد عليها، لأن التدابير المؤقتة لا تساوي حكماً نهائياً في أساس النزاع.
لكن المحكمة أصدرت في 26 كانون الثاني 2024 أمراً بتدابير مؤقتة، ثم أضافت تدابير أخرى في 28 آذار، وعادت في 24 أيار إلى تأكيد التدابير السابقة وإقرار تدابير جديدة. وهي أوامر ملزمة قانوناً، وإن كانت صادرة قبل الفصل النهائي في القضية.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فمحكمة العدل الدولية تستطيع أن تقول ما يفرضه القانون، لكنها لا تملك شرطة دولية أو جهازاً تنفيذياً تابعاً لها. والمادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة تلزم الدول الأعضاء بالامتثال لقرارات المحكمة في القضايا التي تكون طرفاً فيها، لكنها تنص أيضاً على أنه عند عدم التنفيذ يمكن للطرف الآخر اللجوء إلى مجلس الأمن، الذي يعود إليه أن يقرر ما إذا كان سيتخذ تدابير لإنفاذ الحكم.
أي أن المسار يبدأ قانونياً في قاعة المحكمة، لكنه قد ينتهي سياسياً في مجلس الأمن. وهذه ليست ثغرة إجرائية صغيرة، بل إحدى المفارقات البنيوية في النظام الدولي. فالسلطة التي تحدد القانون ليست هي السلطة التي تملك وسائل فرضه، والسلطة التي تستطيع المساهمة في إنفاذه محكومة بتوازنات السياسة الدولية وامتياز حق النقض للدول الخمس الدائمة العضوية.
المحكمة الجنائية: العدالة التي تحتاج إلى الدول
المفارقة نفسها تظهر، بصورة مختلفة، أمام المحكمة الجنائية الدولية. ففي 21 تشرين الثاني 2024، أصدرت الدائرة التمهيدية في المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وفي القرار نفسه رفضت المحكمة اعتراضات إسرائيل المتعلقة باختصاصها. وهذه، مرة أخرى، اتهامات قضائية لا أحكام إدانة، فقرينة البراءة تبقى قائمة إلى أن تثبت المسؤولية وفق الإجراءات القضائية.
لكن المحكمة الجنائية الدولية لا تمتلك قوة شرطية خاصة بها أيضاً. فنظام روما يقوم، بدرجة أساسية، على تعاون الدول. وتنص المادة 89 منه على تعاون الدول الأطراف في تنفيذ طلبات القبض والتسليم الصادرة عن المحكمة. وقد ظهر الاختبار العملي لهذه القاعدة عندما زار نتنياهو المجر في نيسان 2025 من دون توقيفه. وفي 24 تموز 2025 خلصت الدائرة التمهيدية إلى عدم امتثال المجر لطلب المحكمة المتعلق بتوقيفه، وأحالت المسألة إلى جمعية الدول الأطراف. وبحسب السجلات الحالية للمحكمة، ما زالت مذكرتا التوقيف بحق نتنياهو وغالانت قائمتين، وكلاهما مصنف «طليقاً».
وهكذا تظهر حدود المؤسسة بوضوح، المحكمة تستطيع إصدار مذكرة توقيف بحق مسؤول سياسي رفيع المستوى، لكنها تحتاج إلى دولة لتنفيذها.
هل يعني ذلك أن القانون الدولي بلا قيمة؟
الإجابة القانونية ليست بهذه البساطة. عدم وجود «شرطة عالمية» لا يجعل القانون الدولي عديم الأثر. فقرارات المحاكم الدولية تنشئ آثاراً قانونية، وتحدد المسؤوليات والالتزامات، وتؤثر في علاقات الدول وفي قرارات المحاكم الوطنية، كما ترفع الكلفة القانونية والدبلوماسية لسياسات معينة. وقد يتحول قرار قضائي غير منفذ اليوم إلى أساس للمساءلة بعد سنوات.
كما أن مجرد وصول قضية غزة إلى أعلى المؤسسات القضائية الدولية يحمل دلالة تتجاوز النتيجة المباشرة. فالمسألة لم تعد محصورة في خطاب سياسي بين حلفاء وخصوم، بل أصبحت موضوعاً لملفات وأدلة ومرافعات واختصاص قضائي وقواعد قانونية محددة.
لكن هذا لا يلغي المشكلة. فالقانون الذي يطبق بسهولة على الدولة الضعيفة، ويتعثر عندما يصل إلى دولة تحظى بحماية سياسية قوية، يواجه أزمة تتجاوز التنفيذ إلى المساواة أمام القانون الدولي. ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للنظام الدولي ليس في قدرته على كتابة القواعد أو إنشاء المحاكم، بل في تطبيق القاعدة ذاتها عندما تتعارض مع مصالح القوى المؤثرة.
من غزة إلى مستقبل النظام الدولي
لذلك قد تكون القضية التي ستتركها حرب غزة للقانون الدولي أكبر من القضية الفلسطينية نفسها. فمحكمة العدل الدولية ما زالت تنظر في أساس دعوى جنوب أفريقيا، ولم يصدر حتى الآن حكم نهائي يقرر وقوع الإبادة الجماعية أو ينفيها. كما تستمر الإجراءات أمام المحكمة الجنائية الدولية. وبالتالي فإن الصفحة القضائية لم تطو بعد.
لكن ما أصبح واضحاً هو أن الأزمة ليست في غياب القانون. فالقواعد موجودة، والمحاكم موجودة، والاختصاصات محددة، والقرارات تصدر. الأزمة تكمن في المسافة بين الحكم القانوني والقدرة على إنفاذه.
ومن لاهاي إلى غزة، يعاد اليوم طرح السؤال الذي رافق القانون الدولي منذ نشأته: هل تستطيع العدالة الدولية أن تكون قانوناً بالمعنى الكامل إذا بقي تنفيذها رهينة إرادة الدول؟
ربما لا تقاس قوة القانون الدولي بعدد الأحكام التي يصدرها، بل باللحظة الأصعب: عندما يقف القانون في مواجهة القوة، أيهما يتراجع؟
والجواب عن هذا السؤال لن يحدد مصير قضية غزة وحدها، بل قد يحدد مقدار ما سيبقى من صدقية النظام القانوني الدولي نفسه.











































































