لايف ستايل
موقع كل يوم -فوشيا
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
قد لا يكون سر القدرات الذهنية المذهلة للأخطبوط والحبار مرتبطاً بالجينات التي تمتلكها هذه الكائنات البحرية وحدها، بل بالطريقة التي ينطوي بها حمضها النووي وينظم نفسه داخل الخلايا.
هذا ما توصلت إليه دراسة جديدة لباحثين من جامعة فيينا النمساوية، فتحت آفاقاً لفهم دور البنية ثلاثية الأبعاد للجينوم في تطور الأدمغة والأجهزة العصبية المعقدة.
ووفق الدراسة المنشورة في دورية 'نيتشر كوميونيكيشنز'، فإن إعادة تنظيم واسعة النطاق للجينوم حدثت قبل مئات الملايين من السنين، وأسهمت في تغيير العلاقات بين أجزاء الحمض النووي، ما أتاح لها التأثير في نشاط الجينات بطرق جديدة.
كيف تطورت أدمغة الأخطبوط والحبار؟
تنتمي الأخطبوطات والحبار إلى مجموعة رأسيات الأرجل الكولويدية، وهي كائنات طورت أجهزة عصبية شديدة التعقيد، تتيح لها تنفيذ سلوكيات متقدمة، مثل حل المشكلات والتمويه السريع والانقضاض على الفرائس وتجنب المفترسات.
وتقدم الدراسة تفسيراً محتملاً لكيفية نشوء بعض أوجه هذا التعقيد، من خلال التركيز على بنية الجينوم، بدلاً من الاقتصار على دراسة تسلسل الجينات ومكوناتها.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، الدكتورة ثيا روجرز، إن الجينوم لا يقتصر على كونه تسلسلاً للجينات، بل يتخذ بنية وظيفية معقدة ثلاثية الأبعاد. وأضافت أن فهم كيفية تطور هذه البنية بات مهماً لتفسير ظهور أشكال جديدة من التعقيد البيولوجي.
إعادة ترتيب الحمض النووي غيرت طريقة عمل الجينات
تشير النتائج إلى أن رأسيات الأرجل شهدت، في مرحلة مبكرة من تاريخها التطوري، تغيرات واسعة في تنظيم الجينوم. وأدت هذه العملية إلى تقريب مناطق من الحمض النووي كانت متباعدة، ما أتاح لها التفاعل والتأثير في نشاط الجينات المرتبطة بها.
ولا يقتصر أثر هذه التغيرات على ترتيب المادة الوراثية، إذ يمكن للتلامس بين مناطق مختلفة من الحمض النووي أن ينشئ روابط تنظيمية جديدة، تؤثر في طريقة تشغيل الجينات أو الحد من نشاطها.
ومع مرور الزمن، قد تستقر بعض هذه التفاعلات وتتحول إلى شبكات تنظيمية مترابطة، تتيح للجينوم إنتاج أنماط جديدة من التعبير الجيني، مع المحافظة على الوظائف الأساسية للكائن الحي.
ما المقصود بالتشابك التنظيمي في الجينوم؟
أطلق الباحثون على هذه الآلية اسم 'التشابك التنظيمي'، في إشارة إلى الروابط التي تنشأ عندما تتقارب مناطق مختلفة من الحمض النووي وتتفاعل ضمن البنية ثلاثية الأبعاد للجينوم.
وأظهرت الدراسة أن الأجزاء البنيوية الكبيرة للجينوم بقيت مستقرة نسبياً عبر التاريخ التطوري، بينما اتسمت الروابط الأصغر بمرونة أكبر. وتساعد هذه الروابط، التي تتخذ أحياناً شكل حلقات، على تقريب مناطق من الحمض النووي لا تقع متجاورة في تسلسله الخطي.
كما وجد الباحثون أن هذه العناصر التنظيمية تختلف بين الأنواع والأنسجة ومراحل النمو، وأنها تقع في كثير من الأحيان بالقرب من جينات ترتبط بسمات رئيسية لدى رأسيات الأرجل، بما فيها خصائص الدماغ والجهاز العصبي.
وتشير هذه النتائج إلى أن المناطق الأكثر مرونة في تنظيم الجينوم قد تكون أكثر استجابة للتغيرات الواسعة التي طرأت على البنية الوراثية لهذه الكائنات.
هل يسهم شكل الجينوم في تطور الذكاء؟
تتحدى الدراسة الفكرة القائلة إن البنية ثلاثية الأبعاد للجينوم مجرد نتيجة جانبية للتطور، إذ تشير إلى أنها قد تؤدي دوراً فاعلاً في تنظيم نشاط الجينات، وربما في إتاحة مسارات جديدة للتطور البيولوجي.
وبحسب النتائج، فإن إعادة ترتيب الحمض النووي والتفاعلات التي تنشأ بين أجزائه قد تكون من العوامل التي ساعدت على ظهور بعض السمات العصبية المعقدة لدى الأخطبوطات والحبار.
لكن الدراسة لا تعني أن طريقة طي الحمض النووي تفسر وحدها تطور الذكاء لدى هذه الكائنات؛ بل تسلط الضوء على آلية تنظيمية قد تساعد العلماء على فهم كيف يمكن للتغيرات في بنية الجينوم أن تسهم في ظهور خصائص بيولوجية جديدة.




























